عباس قاسم الملاحي
لم يعد السؤال في سوق العمل السعودي: هل ستستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: كيف ستستخدمه، وماذا ستنجز به؟
في مكتب الموظف، وقاعة الدرس، والمصنع والمستشفى، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في تفاصيل العمل اليومية. ولم يعد مجرد تقنية مستقبلية، بل يتحول تدريجيًا إلى مهارة وظيفية أساسية، مثلما أصبح استخدام الحاسب والإنترنت مهارة متوقعة من معظم الموظفين.
وفي المملكة العربية السعودية، يكتسب هذا التحول أهمية أكبر مع اعتماد عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، في إطار توجه وطني يرتبط بالتعليم والاقتصاد والإنتاجية وتنمية القدرات البشرية.
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني أن يتحول كل موظف إلى مبرمج. المعلم لا يحتاج إلى بناء نموذج لغوي، والمحاسب لا يحتاج إلى تطوير خوارزمية، والطبيب أو المهندس ليس مطالبًا بدراسة علوم الحاسب.
المطلوب هو أن يعرف الموظف كيف يوجه الأداة، وكيف يتحقق من نتائجها، وكيف يستخدمها في عمله بصورة مسؤولة.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي التخصص
التعليم مثالًا، يمكن للمعلم استخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد الدروس والأسئلة والأنشطة، لكنه يظل الأقدر على معرفة طلابه، وفهم احتياجاتهم، وتحديد ما يناسبهم.
لذلك لا يلغي الذكاء الاصطناعي دور المعلم، بل يمكن أن يخفف عنه الأعمال المتكررة، ليمنحه وقتًا أكبر للجانب الإنساني الذي لا تستطيع الآلة أن تحل محله: فهم الطالب، وتحفيزه، واكتشاف مشكلاته، واتخاذ القرار التربوي المناسب.
والفكرة نفسها تنطبق على بقية المهن.
المحاسب الذي يجيد المحاسبة ويعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر قدرة من محاسب يمتلك المعرفة نفسها لكنه لا يعرف كيف يوظف الأدوات الجديدة.
وهنا قد لا تكون المنافسة المستقبلية بين الإنسان والآلة، بل بين موظف يستخدم الذكاء الاصطناعي بذكاء، وموظف آخر يستخدمه بصورة سطحية.
ليست المهارة في الأداة.. بل في طريقة استخدامها
المستخدم الجيد للذكاء الاصطناعي لا يتميز بحفظ عشرات الأوامر، وإنما بقدرته على معرفة المشكلة، وصياغة طلب واضح، ومراجعة النتائج، ومعرفة حدود الأداة.
وهنا تبرز مهارة شديدة الأهمية: التحقق.
فالذكاء الاصطناعي قد يقدم إجابة تبدو مقنعة وهي غير صحيحة. لذلك يجب ألا يتحول الموظف إلى مجرد ناسخ لما تنتجه الآلة، بل يبقى مراجعًا ومحللًا وصاحب قرار.
كما أن التعامل مع البيانات الحساسة والمعلومات الشخصية يتطلب وعيًا بحدود ما يمكن إدخاله في أدوات الذكاء الاصطناعي.
والأهم من ذلك كله أن يتحول الناتج الذي تنتجه الآلة إلى قيمة حقيقية: قرار أفضل، أو خدمة أسرع، أو تكلفة أقل، أو إنتاجية أعلى.
هل ستختفي الوظائف؟
قد تختفي بعض المهام أو تتقلص، لكن هذا لا يعني بالضرورة اختفاء الوظائف نفسها.
فالآلة الحاسبة لم تلغِ المحاسب، وبرامج معالجة النصوص لم تلغِ الكاتب، والإنترنت لم يلغِ المؤسسات الصحفية. الذي تغير هو طريقة أداء العمل.
والذكاء الاصطناعي يسرّع هذا التغيير؛ فهو يساعد في الكتابة والتحليل والتلخيص والبحث والبرمجة والتخطيط، ما يعني أن قيمة المهام الروتينية ستتراجع، بينما سترتفع قيمة الإبداع والحكم البشري والتواصل وتحمل المسؤولية.
من «هل أحتاجه؟» إلى «كيف يجعلني أفضل؟»
ربما لم يعد السؤال الصحيح للموظف: «هل أحتاج إلى تعلم الذكاء الاصطناعي؟» بل: «كم من عملي يمكن أن أصبح أفضل فيه إذا تعلمت كيف أستخدمه؟» ، هذه هي النقلة الحقيقية.
فالمملكة لا تحتاج إلى تحويل جميع موظفيها إلى مبرمجين، وإنما تحتاج إلى موظف يجيد تخصصه ويعرف كيف يستفيد من الذكاء الاصطناعي لتطوير هذا التخصص.
وفي اقتصاد يتجه بصورة متسارعة نحو المعرفة والبيانات، يصبح الذكاء الاصطناعي مضاعفًا للمهارة؛ فالخبير يمكن أن يصبح أكثر إنتاجية، والمبتدئ يمكن أن يتعلم أسرع، والفريق الصغير يمكن أن ينجز أعمالًا كانت تحتاج إلى فريق أكبر.
لكن بشرط أساسي: أن يبقى الإنسان هو من يحدد الهدف، ويفهم السياق، ويتحمل مسؤولية القرار.
فالآلة تستطيع أن تكتب، وتحلل، وتقترح، لكنها لا تحدد وحدها لماذا نحتاج إلى ذلك، ولا تتحمل مسؤولية القرار النهائي.
ولهذا فإن المهارة الوظيفية الجديدة ليست أن تعرف كيف تتحدث مع الآلة، بل أن تعرف كيف تجعلها تعمل لصالح مهارتك الإنسانية.