ثامر عبدالله السبيعي
في الثلاثين من يوليو الماضي اجتمع خمسةَ عشرَ مندوباً في غرفة المشاورات بمقرّ الأمم المتحدة، وأدلى كلٌّ منهم بورقةٍ سرّية. لم يُنشر محضر، ولم تُعلن نتيجة. وخرج رئيسُ المجلس ليقول إن المرشحين سيُبلَّغون بالنتائج عبر مندوبي الدول التي رشّحتهم. وتكرّر المشهدُ في الحادي والعشرين من أغسطس. وثالثةٌ في الطريق قبل نهاية سبتمبر.
هكذا يُختار الرجلُ - أو المرأةُ - الذي سيقود المنظمةَ الدولية خمس سنوات، خلفاً لأنطونيو غوتيريش الذي تنتهي ولايتُه في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026.
سطرٌ واحدٌ في الميثاق
المادةُ السابعة والتسعون من ميثاق الأمم المتحدة تقول إن الأمين العام يعيّنه الجمعيةُ العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. هذا كلُّ ما في النص.
لا يذكر الميثاقُ كيف يُرشَّح أحد، ولا كم مرشحاً، ولا كيف يفاضل المجلسُ بينهم، ولا هل يُشترط إجماعُ الدائمين. وكلُّ ما تراه اليوم صُنع في الممارسة: «اقتراعُ القشّ» ليس مصطلحاً قانونياً بل عادةً استقرّت؛ و«التشجيع» و«عدم التشجيع» و«لا رأي» ثلاثُ خاناتٍ لا وجود لها في وثيقةٍ ملزمة؛ و«الحوارات» العلنية مع الجمعية العامة إضافةٌ حديثةٌ نسبياً على العملية.
وقد اتفق أعضاءُ المجلس على طرائق هذه الاقتراعات في مايو الماضي عبر ورقةٍ غير رسمية لم تُنشر.
فالنتيجة: عمليةٌ معتمةٌ إلى حدٍّ كبير، تقوم على اقتراعاتٍ إرشاديةٍ غيرِ مُلزِمةٍ لا تُسجَّل علناً، غايتُها تحديدُ من يحظى بتأييدٍ واسع - والأهمُّ: من لا يواجه اعتراضاً من عضوٍ دائم. فأيٌّ من الخمسة يستطيع أن يُسقط مرشحاً في تلك الغرفة المغلقة.
ثمانيةٌ في الميدان
يتنافس ثمانيةُ مرشحين، بينهم إيفون الباقي وزيرةُ إكوادور السابقة، وميشيل باتشيليت رئيسةُ تشيلي السابقة والمفوّضةُ السامية السابقة لحقوق الإنسان، وماريا فرناندا إسبينوسا رئيسةُ الجمعية العامة السابقة، ورافائيل غروسي المديرُ العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وريبيكا غرينسبان، وكارولين رودريغيز - بيركيت، وأولارا أوتونو، وماكي سال.
نتائجُ الجولتين .. كما تسرّبت لا كما أُعلنت:
في الأولى تصدّرت غرينسبان بعشرة أصواتِ تشجيعٍ ومعارضٍ واحدٍ وأربعةٍ بلا رأي، تلتها رودريغيز - بيركيت بتسعة، ثم غروسي بسبعة.
وفي الثانية انقلب الترتيب: تقدّمت رودريغيز - بيركيت بثمانية أصواتِ تشجيع، تلتها غرينسبان وغروسي بسبعةٍ لكلٍّ منهما.
قراءةٌ استباقية: أين يقف السباق فعلاً؟
الرقمُ الذي يتصدّر العناوين - عددُ أصوات التشجيع - هو الأقلُّ دلالةً في هذه العملية. والقراءةُ الأدقّ تقوم على ثلاث ملاحظات:
الأولى: الأرقامُ تتراجع لا تتقدّم. تصدّرت غرينسبان الجولةَ الأولى بعشرة، ثم تصدّرت رودريغيز - بيركيت الثانيةَ بثمانية. المتصدّرُ الجديد نال أقلَّ ممّا ناله المتصدّرُ السابق. وهذا ليس صعوداً بل انفراطاً: الأصواتُ تتوزّع بدل أن تتجمّع، وهو ما يقع عادةً حين لا تكون قد نضجت بعد صفقةُ الكبار.
الثانية: الحاسمُ ليس التشجيع بل الاعتراض. في هذه المرحلة تكون بطاقاتُ الجميع متطابقةَ اللون، فلا يُعرف إن كان صوتُ «عدم التشجيع» صادراً عن عضوٍ دائمٍ أم منتخب. وقد جرت العادة أن تُميَّز بطاقاتُ الدائمين بلونٍ مختلفٍ في جولاتٍ لاحقة وعندها فقط تنكشف الصورة. فمرشحٌ بثمانية تشجيعاتٍ ومعارضٍ دائمٍ واحدٍ ميتٌ سياسياً؛ ومرشحٌ بستةٍ بلا معارضةٍ دائمةٍ هو الأمينُ العام المقبل. ولذلك فإن أيّ ترجيحٍ اليوم يُبنى على نصف المعلومة.
الثالثة: غيابُ المتصدّر الثابت هو الخبر. في الدورات السابقة كان المرشحُ الفائز يتصدّر الاقتراعات منذ جولتها الأولى ويحافظ على صدارته. وأن يتغيّر المتصدّرُ بين الجولة والأخرى مؤشرٌ على انسدادٍ داخل الخمسة الدائمين، لا على تنافسٍ مفتوح.
فمن الأقرب؟ بحسبة الأصوات وحدها، غرينسبان ورودريغيز - بيركيت في المقدمة، وغروسي ثابتٌ عند سبعة. ولغرينسبان أفضليةٌ في اتساع القاعدة الأولى، ولرودريغيز - بيركيت زخمُ الجولة الثانية.
أمّا الترجيحُ البنيوي - لا الشخصي - فيقول إن الحسم لن يأتي من الأرقام المتداولة، بل من الجولة التي تُلوَّن فيها البطاقات. والأرجح، بناءً على نمط الدورات السابقة، أن يُحسم الأمرُ في أكتوبر أو نوفمبر، وأن يخرج المرشحُ الفائز من خارج قائمة المتصدّرين اليوم إن استمرّ التشتّت - فالتاريخُ يقول إن الانسداد يُنتج مرشحاً وسطياً لا مرشحاً قوياً.
أين تقف السعودية من هذا كلّه؟
سؤالٌ يُطرح كثيراً، وجوابُه يحتاج تدقيقاً: السعوديةُ ليست عضواً في مجلس الأمن حالياً، فلا تشارك في هذه الاقتراعات أصلاً.
فالمجلسُ يضمّ اليوم - إلى جانب الخمسة الدائمين - البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا لولاية 2026 – 2027، والدنمارك واليونان وباكستان وبنما والصومال لولاية تنتهي بنهاية هذا العام. والبحرينُ هي الصوتُ العربيُّ الوحيد في الغرفة.
دورُ السعودية يأتي في المرحلة الثانية: حين ترفع اللجنةُ توصيتَها إلى الجمعية العامة، حيث تعيّن الدولُ الـ193 الأمينَ العام. وهناك للرياض صوتٌ كصوت أيّ عضو.
لكنّ حضورَها لم يكن غائباً عن المسار: فقد تحدّث مندوبُها الدائم عبدالعزيز الواصل باسم المجموعة العربية في جلسة الاستماع إلى المرشحة ماريا فرناندا إسبينوسا، مؤكداً دعمَ الأمم المتحدة ودورها في تعزيز السلم والأمن والتنمية المستدامة.
المفارقةُ التي تستحق التذكير: السعوديةُ هي الدولةُ الوحيدة في تاريخ المنظمة التي رفضت مقعداً انتُخبت له في مجلس الأمن، حين اعتذرت سنة 2013 عن قبول ولايةٍ مدتُها سنتان، معلّلةً ذلك بعجز المجلس عن الاضطلاع بمسؤولياته وداعيةً إلى إصلاحٍ جوهريٍّ في بنيته. وقد ترك ذلك القرارُ الدبلوماسيين في نيويورك أمام سؤالٍ لم يكن له جواب: ما الإجراءُ المتّبع حين ترفض دولةٌ مقعداً فازت به؟ ولم يكن ثمّة إجراء - لأنها المرة الأولى.
ما الذي يكشفه هذا عن الميثاق؟
خلف السباق سؤالٌ أعمقُ يستحق أن يُطرح:
المنصبُ الأعلى في المنظمة له بابُ دخولٍ صنعته الممارسة بالكامل، بُني على سطرٍ واحدٍ في الميثاق لا يحدّد إجراءً ولا مدةً ولا معياراً. وقد ملأت الممارسةُ هذا الفراغ بعاداتٍ متراكمة: اقتراعاتٌ، وخاناتُ تشجيع، وبطاقاتٌ ملوّنة، وورقةٌ غير منشورة تحكم الطرائق.
وليس له بابُ خروج. لا يذكر الميثاقُ إجراءً لإقالة الأمين العام، ولا لمساءلته، ولا لإنهاء ولايته قبل أوانها.
وهذا نمطٌ يتكرر في الوثيقة كلِّها لا في هذه المادة وحدها: يُفصَّل الدخولُ ويُترك الخروج. فالميثاقُ يبيّن كيف تُقبل الدولةُ عضواً ولا ينصّ على انسحابها؛ ويُنشئ ستةَ أجهزةٍ رئيسيةٍ ويجعل إنهاءها بالباب الأثقل نفسه الذي يجعل زيادتَها به - حتى أن مجلس الوصاية فقد موضوعَه بالكامل سنة 1994 حين استقلّ آخرُ إقليمٍ تحت وصايته، وما زال اسمُه في النص إلى اليوم؛ ويجيز إنشاء الأجهزة الفرعية بقرارٍ في جلسةٍ واحدة ولا يضع لها مدةً ولا مراجعة.
فالمنظمةُ تجيد أن تبدأ، ولا تعرف أن تُنهي.
ولعلّ هذا هو ما يفسّر لماذا يبدو سباقُ الأمانة العامة، رغم علنية حواراته، محسوماً في غرفةٍ لا محضر لها: حين لا يضع النصُّ إجراءً، تضعه الممارسة وتضعه لمصلحة من يملك أن يضعه.