دحام الجفران العنزي
في المشهد السوري لا تبدو الأخبار الأخيرة مجرد تفاصيل متفرقة في مسار سياسي مضطرب بل علامات تدل على ولادة مرحلة مختلفة واستثنائية. رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وصورة الرئيس وهو يحاسب ببطاقة الائتمان في احد المطاعم ورفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب وإنهاء -قسد- لوجودها كقوة عسكرية مستقلة واندماج قواتها ضمن الجيش السوري ومن ثم تعيين مظلوم عبدي مستشار للرئاسة السورية، كلها تطورات تقول إن دمشق الجديدة تحاول الانتقال من منطق الحرب وتعدد مراكز القوة إلى منطق الدولة الواحدة ولغة تفاهم مع المجتمع الدولي بدأت تؤتي ثمارها. ما تعنيه هذه القرارات أن سوريا بدأت تستعيد خطوة بعد أخرى حقها في أن تكون دولة لا ساحة نفوذ وصراعات.
رفع العقوبات يفتح أبواب المال والاستثمار وإعادة الإعمار وانتظام قسد في مؤسسات الدولة يضع السلاح تحت مظلتها وتعيين مظلوم عبدي رسالة واضحة أن الخصوم السابقين يمكن تحويلهم إلى شركاء في صناعة المستقبل متى ما رغب الجميع في تغليب مصلحة الوطن على منطق الثأر.
لا يمكن الحديث عن سوريا الجديدة دون التوقف طويلاً عند الدور السعودي. منذ الأيام الأولى للعهد الجديد كانت الرياض حاضرة سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، داعمة لوحدة سوريا واستقرارها وسيادتها وكانت تتحرك في المحافل الدولية من أجل رفع العقوبات وفتح الطريق أمام الاقتصاد السوري إلى الدورة الطبيعية وصولاً إلى اللقاء الشهير الذي جمع ولي العهد السعودي وترمب واحمد الشرع في الرياض في مايو 2025 وحتى الإعلان عن البنك السعودي السوري لتوفير قنوات مصرفية مباشرة ومنظمة لدعم الاستثمارات وحركة رؤوس الأموال بين الرياض ودمشق. ساهمت السعودية في دعم متأخرات سوريا لدى البنك الدولي وطورت عشرات المشاريع في سوريا لأن استقرار سوريا مصلحة عربية وإقليمية وليس ترفاً سياسياً.
حين نستعرض التجربة ينبغي أن يكون التقييم منصفاً لكنه لا يكون متساهلاً فنجاح الشرع يقاس بقدرته على تصفير الأزمات وإبعاد سوريا عن الصراعات الإقليمية وبناء جيش وطني وضمان حقوق الأقليات ومنع الانتقام السياسي والطائفي وإعطاء السوريين شعوراً بأن الدولة الجديدة ملك لهم جميعاً. فالدولة حين تولد تحتاج إلى أن تتحرر من كل قوة تريد أن تكون فوق القانون والدول الحديثة لا يبنيها السلاح فقط ولكن يبنيها القانون ومؤسسات الاقتصاد والثقافة والانفتاح على على الآخر. وسوريا برأيي تمضي في الطريق الصحيح ونأمل أن تستمر وتستعجل بسرعة أكثر إذا استطاع الشرع أن يمسك العصا من المنتصف وأن يضع المتشددين أياً كانت خلفياتهم في مكانهم الطبيعي بعيداً عن صناعة القرار وأن يجعل معيار الحكم هو القانون والكفاءة والمواطنة فسيكون أمام سوريا فرصة تاريخية نادرة أن تحجز مقعداً ضمن طاولة دول العالم المتحضرة الحرة. دليل النجاح والتحول والبداية الحقيقية يوم يصبح السوري معنياً بالبناء أكثر من الحرب وبالمسرح أكثر من المتراس وبالجامعة والاستثمار والعمل أكثر من السلاح ، عندها فقط يمكن القول أن سوريا لم تخرج من حرب طويلة فحسب بل بدأت فعلاً تدخل عصر الدولة. نجاح سوريا لن يكون شأناً سورياً فقط لكنه سيكون اختباراً لقدرة المنطقة العربية على تحويل دول الصراع إلى دول تنمية.