خالد الأنصاري
في الخامس من سبتمبر من كل عام، يحتفي العالم بـ»اليوم العالمي للعمل الخيري» وهي مناسبة تتجاوز في معناها مجرد الاحتفاء بجهود الباذلين والمحسنين؛ لتكون تذكيرًا بقيمة إنسانية عظيمة، تتجلى فيها معاني الرحمة، والتكافل والإحسان، وتلتقي عندها الفطرة الإنسانية السوية؛ مع ما جاءت به الشرائع من الحث على البر، وبذل المعروف، وإغاثة المحتاج.
وإذا كان العالم يحتفي بالعمل الخيري يومًا في العام، فإن ديننا الإسلامي جعله منهج حياة، وعبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه عزوجل، وبابًا واسعًا من أبواب الإحسان إلى الخلق؛ قال الله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقال سبحانه: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}.
وقد لخّص سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- هذه المعاني في كلمة جامعة، حين قال:
«لا شك أن العمل الخيري؛ هو من ركائز المجتمع، وهو من الأساس ما يمليه علينا ديننا؛ أن العمل الخيري فيه راحة للنفس، وفيه شعور بالمواطنة، والتراحم بين أفراد المجتمع».
إنها كلمات قليلة في مبناها، واسعة في معانيها، ترسم فلسفة متكاملة للعمل الخيري، وتكشف عن أربعة أبعاد عظيمة له: الدين، والنفس، والوطن، والمجتمع.
فأما الدين: فإن العمل الخيري في أصله استجابة لأمر الله تعالى، وامتثال لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس مجرد نشاط اجتماعي، أو سلوك إنساني مجرد، بل هو عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه تعالى؛ بالصدقة، والإطعام، وكفالة اليتيم، وتفريج الكرب، وقضاء الحاجات، ونفع الناس. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه».
وأما راحة النفس: فقد أشار إليها خادم الحرمين الشريفين إشارة دقيقة؛ لأن للعطاء لذةً لا يعرفها إلا من جرّبها، وللإحسان سكينةً يجدها المحسن في قلبه؛ قبل أن يصل أثر إحسانه إلى غيره.
فما أعجب الصدقة! تقع في يد المحتاج نفعًا، وتعود إلى قلب الباذل طمأنينةً وانشراحًا، ويكون خيرها على المعطي قبل الآخذ؛ لأنها تزكي النفس، وتطهرها من الشح، وتربيها على البذل والإيثار.
وأما المواطنة: فإن من أسمى صور الانتماء إلى الوطن؛ أن يشعر الإنسان بمسؤوليته تجاه مجتمعه، وألا يقف مفهوم المواطنة عند حدود المشاعر والشعارات، بل يتحول إلى مشاركة وبذل ومبادرة ونفع.
فالمواطن الصالح شريك في البناء، والعمل الخيري أحد ميادين هذه الشراكة؛ به تُسد الحاجة، وتُعين الأسرة، ويُرعى الضعيف، وتُدعم المبادرات النافعة، ويتسع أثر الخير في المجتمع.
وأما التراحم بين أفراد المجتمع؛ فهو الثمرة الاجتماعية الكبرى للعمل الخيري؛ فالمجتمع الذي يتفقد قويُّه ضعيفَه، وغنيُّه فقيرَه، وقادرُه محتاجَه، مجتمع تتوثق عراه، ويقوى بنيانه، وتسوده المودة والألفة.
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المجتمع أروع الأمثال فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد».
ولبلادنا المملكة العربية السعودية -بحمد الله- تاريخ راسخ في أعمال البر والإحسان، يستمد جذوره من عقيدتها وقيمها الإسلامية، ومن طبيعة مجتمعها الذي عُرف بالتكافل، والبذل وإكرام المحتاج، وإغاثة الملهوف.
وقد امتد هذا الخير من الداخل إلى الخارج، ليحمل رسالة هذه البلاد، في ميادين الإغاثة والعون الإنساني، بعيدًا عن الفوارق بين الأجناس والشعوب.
والعمل الخيري في مفهومه المعاصر؛ لم يعد مقصورًا على الصدقة الفردية العابرة، على عظيم فضلها؛ بل اتسعت ميادينه لتشمل الأوقاف، والمؤسسات غير الربحية، والتطوع، والمبادرات المجتمعية، وبرامج التنمية، وتمكين المحتاج؛ ليصبح قادرًا على الإنتاج والعطاء.
وهذا الانتقال من سد الحاجة إلى صناعة القدرة؛ من المعاني المهمة في تطوير العمل الخيري، وتعظيم أثره واستدامة نفعه.
كما أن العمل الخيري مسؤولية وأمانة؛ فكلما كان أكثر تنظيمًا وشفافيةً وحوكمةً، وأشد اتصالًا بالحاجات الحقيقية للمجتمع، كان أعظم أثرًا وأبقى نفعًا.
فليس المقصود كثرة المبادرات وحدها، وإنما جودة أثرها، ووصول نفعها إلى مستحقيها، وتحولها من أعمال مؤقتة إلى مشروعات مستدامة؛ تبني الإنسان وتصون كرامته.
وفي اليوم العالمي للعمل الخيري، يجدر بنا أن نعيد قراءة كلمة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- بوصفها منهجًا متكاملًا؛ لا مجرد وصف للعمل الخيري؛ فهو دينٌ يُمتثل، وراحةٌ تُستشعر، ومواطنةٌ تُمارس، وتراحمٌ يبني المجتمع.
وهكذا يظل العمل الخيري شاهدًا على خيرية الإنسان؛ حين يتجاوز ذاته إلى غيره، وعلى قوة المجتمع، حين يتكافل أفراده، وعلى رسوخ القيم؛ حين تتحول من مبادئ نتحدث عنها؛ إلى أعمال نراها، وآثار نلمسها ونستشعر بركتها ونفعها.
إضـــاءة
العمل الخيري ليس مالًا يُبذل؛ بل إيمانٌ يثمر إحسانًا، ومواطنةٌ تثمر عطاءً، ورحمةٌ تصنع مجتمعًا متماسكًا.