د. فهد بن أحمد النغيمش
يتناقل الكثيرون بين الفينة والأخرى عبارة (إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) ويرفع الساكتون دوما شعار (اسكت تسلم)! ولا شك أن السكوت في بعض المواقف يعد حكمة وفضيلة، لكنه في الحقيقية ليس السكوت على إطلاقه من الأشياء الجيدة والمحببة في الحوارات دائماً، فقد يكون الكلام في بعض الأحيان أمراً ملحاً وضرورة لازمة حين يكون دفاعاً عن مظلوم أو نصرة لحق وقد يكون طريقاً لكسب الحسنات، فاللسان من النعم التي أمتن الله بها على عباده فقال سبحانه: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} فبه يستطيع الإنسان التخاطب والتحاور وقضاء حاجاته والحصول على غاياته.
كثير ما نسمع من يقول (الصمت في بعض المواقف حكمة) والحقيقة أن الصمت في بعض المواقف يسلبك حقوقك ويجعل منك شخصاً بلا رأي ولا مشورة، خاصة في بعض الاجتماعات التي تتطلب منا اجماع رأي أو طلباً للمشورة والاقتراح أو حلاً لمشكلة من المشاكل، فتجد بعضهم يفوضك في اتخاذ القرار ويسمعك (معكم في ما تقولون) ويجلس وينصرف ولم يطرح فكرة ولم يشارك بحل ولم يعط رأياً!
لماذا نسكت خجلاً ولماذا نسكت ونحن على حق ولماذا نسكت وفي مخزوننا الكثير من الأفكار الجميلة والمعلومات الثمينة؟
لابد أن تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، والسكوت لا يعني راحة؛ فالصمت أحيانًا يتطلب جهدًا نفسيًا أكبر من الكلام، ومن يلتزم الصمت غالبًا لا يكون راضيًا، بل مُثقلًا من الداخل ولذا دوماً ما ينصح الأطباء النفسانيون بالفضفضة إلى من تثق فيهم من الأهل والأصحاب ففيها تخفيف للحزن وتخلص من التوتر.
صحيح أن اللسان ذو حدين؛ يتكلَّم بالخير ويَنطِق بضده، والمتكلم يتوخى المنطق السليم، ويجتنب الكلام الذميم، ومَن حفِظ لسانَه أراح نفسه ولذا ليس من المنطق المناداة بالتحدث دوما خاصة إذا كانت الحكمة تقتضي السكوت مثل السكوت عن الخوض في الفتن أو الخوض في باطل وغيره أو في غيبة أو نميمة!
الكلام والتحدث هما ترجمة بليغة وقوية لشخصية الإنسان من حيث اتزانه وسمته وعلمه وشخصيته كاملة فالكلمة مؤشر عميق لمعرفة الشخصية؛ فبالكلمة تستطيع أن تعرفَ ثِقَلَ صاحبها ومقامَه وقدرَه؛ أي: تستطيع أن تعرف أصاحبُها عاقلٌ أم مجنون؟ أمتعلم أم جاهل؟ أذكي أم أحمق؟ ذو رأي أم إمَّعة؟
ويروى أن سقراطاً كان جالساً مع تلاميذه، وبينما هم جالسون إذ أقبل عليهم رجل بملابس زاهية وأنيقة، ووقف صامتاً عندهم. فقال له سقراط: تكلم حتى أراك. ورد عليه دوستويفسكي بعدها بأكثر من ألفيّ سنة قائلًا: (قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة)!!
إيّاك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك لكن قوله «أراك» ولم يقل «أعرفك» أو «أفهمك» فهو فعل مقصود يعنى أنت فى صمتك وسط هذه المعارك وهذه الحياة الصعبة ما لم يكن لك رأى ولم تعبر سواء بالرضا أو الغضب فأنت غير مرئى لا أحد يراك. فصوتك يعبّر عن وجودك وهو أكثر من مجرد قدرة على الحديث، فكلامك هو أنت، وسقراط لا يدعو إلى الثرثرة لأنها نقيصة في الإنسان وفى الوقت نفسه لا يدعو إلى «البكم» لأنه أيضاً يضيع الحق الواضح البائن، لكنه يدعو للاتزان ومعرفة قدر الكلمة!
قد يكون هناك شخص يبدو متواضعاً في مظهره، لكن كلامه قد يكشف عن حكمة وعمق، ولهذا يلجأ كثير من الناس إلى التزام الصمت، للإبقاء على المحافظة على مكانته وعدم إظهار حقيقته للآخرين.
ومن جميل مايُذكر من الطرائف في هذا السياق، ما جاء في كتاب أخبار القضاة، للقاضي محمد بن خلف بن حيّان، الملقب بوكيع القاضي، [ت 306 هـ]:
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن مهرويه قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن طاهربن أَحْمَد الزبيري قال: كان رجل يجلس إِلَى أبي يوسف القاضي، فيطيل الصمت. فَقَالَ لَهُ أَبُو يوسف: ألا تسأل ألا تتحدث ؟! قال: بلى قَالَ: متى يفطر الصائم؟ قال: إِذَا غربت الشمس، قال: فإن لم تغرب الشمس إِلَى نصف الليل!؟!
قال: فتبسم أَبُو يوسف، وتمثل ببيتي الخُطفي جدّ جرير:
عَجِبتُ لإِزراءِ العَيِيِّ بِنَفسِهِ
وَصَمتِ الَّذي قَد كانَ بِالقَولِ أَعلَما
وَفي الصَمتِ سَترٌ لِلعَيِيِّ وَإِنَّما
صَحيفَةُ لُبِّ المَرءِ أَن يَتَكَلَّما
بمعنى أنّ الإنسان من كلامه يُعرف مستوى عقله، وتفكيره، وقدراته، لا بمظهره وبما يرتديه، أو رصيده المالي، أو جاهه، أو حسبه، أو نسبه، إنّما يُعرف جوهر الإنسان عن طريق لسانه، فهو المعبّر عمّا يجول في قلب الإنسان.
ويبقى أن سكوتك سيكون من ذهب إذا كان السكوت يعالج المشكلة، وإلا فإن الكلام هو الذي سيكون من ذهب لأن علاج المشكلة بالكلام لا بالسكوت، وأحياناً يكون الصمت علاجاً عندما تكون غاضباً، فالأفضل أنك لا تتكلم لأنك تعرف نفسك أنك إن تكلمت فإنك ستعتدي على الآخرين، ففي هذه الحالة يكون سكوتك من ذهب حتى يهدأ غضبك، فليس الكلام دائما هو الحل للمشكلة كما أن السكوت كذلك ليس هو دائماً حلاً للمشكلة، وهنا نحتاج من يتخذ قراراً بالكلام أو السكوت أن يوازن بين الإيجابيات والسلبيات في الموقف الذي يعيشه. والمقصد اننا لا نلزم الناس دوماً بالسكوت ولا نتخذ من السكوت فضيلة في جميع المواقف فبعضها يجب وجوباً أن تتحدث ولا تسكت.