د. حمود بن فلاح العتيبي
يقوم الإسلام في جوهره وفي مقاصده التشريعية على السلام، والسماحة، والرحمة، وعمارة الأرض. إنه منهج يستند إلى التيسير والتبشير، ويحظر التعسير، والتنفير، والتعصب، تتجلى في أحكامه غايات صيانة الحقوق، وردع الظلم، وتحريم العدوان والإفساد، إلى جانب فرض الوفاء بالعهود، ومنع كل ما يلحق الضرر بالإنسان أو الحيوان أو البيئة؛ ضمانًا لاستقرار الكون وسيادة الخير بين البشر.
ولا يفرّق الإسلام بين البشر بألوانهم أو أعراقهم أو قبائلهم؛ فهم في ميزانه سواء، ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى. وهو يدعو إلى التآلف والتراحم والتكاتف؛ فيعطف الكبير على الصغير، ويوقّرُ الصغيرُ الكبيرَ، ليبقى المجتمع قائمًا على الاحترام المتبادل والروابط الإنسانية المتينة.
ويمتد مفهوم السلام في الإسلام من الفرد إلى المجتمع؛ فهو يقوم على المحبة والتعاون وتجنّب الصراعات والنزعات التي تهدد استقرار الناس. ولأجل ذلك دعا الإسلام إلى صلة الأرحام، وجعل الأسرة قائمة على المودة والسكن؛ لتكون نواة آمنة يستمد منها المجتمع قوته وتماسكه. وحين يسود السلام بين الأفراد، تتعزز قيم التضامن والتكافل، ويتحقق الأمن؛ فيصبح المجتمع قادرًا على الإسهام في ترسيخ السلام العالمي. فالسلام في الإسلام ليس شعارًا عابرًا، بل عقيدة راسخة ومقصدًا شرعيًا كبيرًا تتجلى فيه مقاصد الشريعة في حفظ النفس والكرامة والحقوق.
وتصنيفًا للأمن كأحد أعظم النعم الإلهية، جعل الإسلام الاستقرار شرطًا لا تستقيم الحياة بدونه. ومن هذا المنطلق، قدم للعالم ميثاقًا إنسانيًا مبكرًا يجرّم الإرهاب بكافة صوره، ويقرر صون الحياة كحق غير قابل للانتزاع. وبناءً عليه، فإن أي فعل يهدف إلى ترويع الآمنين، أو استهداف الأبرياء، أو إشاعة الفوضى، يُعد خروجًا صريحًا عن منهج الإسلام القائم على الرحمة والعدل. وقد أحكمت الشريعة سد المنافذ المؤدية إلى الإرهاب عبر ثلاثة أبعاد: تشريعيًا بقواعد حاسمة، وأخلاقيًا بترسيخ القيم الرفيعة، ومقاصديًا بجعل حفظ النفس أصلًا كليًا من أصولها.
ويشمل التحريم في الشريعة كافة أشكال العدوان، سواء تمثّلت في العنف الفردي، أو الإرهاب المنظم، أو الاعتداء على المجتمعات الآمنة. وجاء تحريم الاعتداء على النفوس باعتبار الأمن مقصدًا رئيسًا يُجرّم كل سلوك يعيد الفوضى والخراب إلى المجتمعات المستقرة. وتقف النصوص الشريعة ومقاصدها حائلًا دون أي محاولة لاستغلال الدين في تبرير العنف؛ إذ لم يكن الإسلام في أي مرحلة من تاريخه مجيزًا للظلم أو لسفك الدماء، بل جاء ليصون الإنسان ويقيم مجتمعًا يحكمه الطمأنينة والعدل.
وانطلاقًا من هذه القواعد، فإن ربط الإسلام بالإرهاب يتناقض مع بنيته المفهومية والشرعية؛ فالإسلام ليس دينًا إرهابيًا، والإرهاب ظاهرة لا جنسية لها ولا دين. لقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته معاني الرحمة والتسامح، وجعل السلام سلوكًا عمليًا وشعارًا للمسلم في تعامله مع ذاته ومع الآخرين. والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وشعار الأنبياء، ومن أخذ به عاش آمنًا في الدنيا ومتهيئًا لدار السلام في الآخرة. وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم أحكامًا حاسمة تحرّم الاعتداء على النفس والمال والكرامة، وتوجب رد الحقوق إلى أصحابها، داعيًا إلى السلم والتراحم والتعايش الإنساني.
تتضح الصورة الحقيقية للإسلام في كونه رسالة تدعو إلى السلام العالمي، والرحمة العامة، والعدل الشامل، والوسطية المعتدلة، والوفاء الأخلاقي، والمساواة الإنسانية، والتكاتف الاجتماعي. وهي دعوة منسجمة مع الفطرة السليمة، وتستهدف تحقق سعادة الإنسان؛ مما يؤكد سماحة التشريع وسمو تعاليمه في رفض العنف، والإرهاب، وتحريم قتل الأبرياء أو ترويعهم.