أنس تشكالا
في مطعم مزدحم، جلس شاب أمام طبقٍ لم يأكل منه شيئًا بعد. أخرج هاتفه، عدّل زاوية الكاميرا، التقط صورة، ثم أعاد المحاولة من زاوية أخرى. لم يكن الطبق سيئًا، لكنه كان يبحث عن الصورة التي تجعله يبدو أفضل. وبعد دقائق، نشرها وانتظر التفاعل. جاءته الإعجابات والتعليقات، فأصبح العشاء حدثًا مكتملًا على الشاشة، قبل أن يكون قد اكتمل على الطاولة. قد يبدو المشهد عاديًا جدًا، بل ربما نمارسه جميعًا بدرجات مختلفة. نصوّر الطعام، الرحلات، اللقاءات، الكتب، القهوة، لحظات النجاح، وحتى بعض لحظات الحزن. لم تعد الكاميرا مجرد وسيلة لحفظ الذكريات؛ أصبحت في أحيان كثيرة جزءًا من صناعة اللحظة نفسها.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده قليلًا هو: ماذا لو أطفأنا الكاميرا؟ ليس المقصود أن نتوقف عن التصوير، ولا أن نعلن الحرب على وسائل التواصل الاجتماعي. فالكاميرا حفظت لنا وجوهًا وأماكن وأيامًا كنا سنفقد تفاصيلها لولاها، ووسائل التواصل قرّبت المسافات، وفتحت مساحات واسعة للتعبير والتواصل. المشكلة تبدأ في مكان آخر: حين لا تعود الكاميرا وسيلة لتسجيل حياتنا، بل تصبح معيارًا نرتب حياتنا وفقه.
فقد نصل إلى مكان جميل، وقبل أن نسأل أنفسنا: ماذا أشعر هنا؟ نفكر: كيف ستبدو هذه اللحظة في الصورة؟ وقد نلتقي شخصًا نحبه، لكن جزءًا من انتباهنا ينشغل بتوثيق اللقاء. وقد نعيش تجربة استثنائية، ثم نكتشف أننا كنا منشغلين بتصويرها أكثر من عيشها. هنا يتغير الأمر قليلًا. لم تعد الحياة هي التي تُلتقط بالكاميرا، بل بدأت الكاميرا أحيانًا تحدد شكل الحياة التي نريد أن نعيشها. ومع انتشار المقاطع القصيرة والصور السريعة، أصبحنا نرى حياة الآخرين في لحظاتها الأكثر لمعانًا: سفر، نجاح، أناقة، صداقات، احتفالات، مغامرات، إنجازات. لا نرى عادة الساعات الطويلة التي سبقت تلك اللحظة، ولا التردد، ولا الملل، ولا المحاولات الفاشلة، ولا الأيام العادية التي لا تصلح للنشر. وهكذا قد نقارن حياتنا الكاملة بلحظة منتقاة من حياة شخص آخر. الأخطر من ذلك أن الإنسان قد يبدأ، من دون أن يشعر، في النظر إلى حياته بعين المشاهد بدل عين العائش.
يسأل نفسه: هل هذه اللحظة تستحق التصوير؟ هل المكان جميل بما يكفي؟ هل ما أفعله مثير للاهتمام؟ هل سيحصل المنشور على تفاعل؟
وبمرور الوقت، قد يصبح ما لا يُرى أقل قيمة في أعيننا مما يُرى. وهنا تظهر مفارقة العصر الرقمي: نحن نملك قدرة غير مسبوقة على توثيق حياتنا، لكننا قد نفقد القدرة على الانتباه إليها. فاللحظة التي لا نصورها ليست لحظة ضائعة بالضرورة.
والرحلة التي لا ننشر صورها لم تكن أقل جمالًا. والكتاب الذي نقرأه بعيدًا عن الكاميرا قد يترك فينا أثرًا أعمق من صورة غلافه. واللقاء الذي لا يعرف به أحد قد يكون أكثر صدقًا من لقاء نحرص على أن يراه الجميع. ربما المشكلة ليست في أن نصور حياتنا، وإنما في أن نبدأ في عيش حياتنا بالطريقة التي تصلح للتصوير.
وهذا ما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الجيل الجديد، الذي نشأ في بيئة لا تفصل دائمًا بين التجربة وتمثيلها. بالنسبة إلى هذا الجيل، لم يعد العالم الرقمي مكانًا منفصلًا تمامًا عن الواقع؛ إنه امتداد له، ومساحة للتعبير عن الذات، وبناء العلاقات، وصناعة الهوية.
ولذلك فإن مطالبة الشباب ببساطة بأن «يتركوا الهاتف ويعيشوا حياتهم» قد تكون نصيحة سهلة، لكنها لا تلامس جوهر المشكلة.
السؤال الأعمق هو: من الذي يقود الآخر؟ هل نحن الذين نستخدم المنصات لنعرض بعض ما نعيشه؟ أم أن المنصات بدأت تعلمنا، بصورة غير مباشرة، كيف ينبغي أن نعيش حتى تصبح حياتنا قابلة للعرض؟ حين يصبح الجواب الثاني أقرب إلى الواقع، نكون أمام تحول يتجاوز استخدام الهاتف. فنحن لا نصنع المحتوى فقط، بل قد نبدأ في صناعة ذواتنا بوصفها محتوى.
نختار الأماكن التي تبدو أجمل، والملابس التي تبدو أفضل، واللحظات التي تصلح للمشاركة، وحتى الكلمات التي تمنحنا صورة معينة أمام الآخرين. وقد يصبح الإنسان مشغولًا بصورة حياته لدى الآخرين إلى درجة أنه ينسى أن يسأل عن حياته كما يعيشها هو. لكن للحياة جانبًا آخر لا يظهر في الكاميرا.
هناك لحظات لا تحتاج إلى جمهور. ضحكة عابرة مع شخص قريب. حديث طويل لا نعرف كيف انتهى. مشي بلا وجهة. كتاب نقرأه ولا نكتب عنه شيئًا. كوب قهوة نشربه وحدنا. مساء هادئ لا يحدث فيه شيء يستحق النشر، لكنه يترك في النفس شيئًا لا يمكن قياسه بعدد الإعجابات. هذه اللحظات لا تبدو مثيرة على الشاشة، لكنها قد تكون من أكثر لحظات الحياة صدقًا.
ولعلنا لا نحتاج إلى أن نختار بين Reel وReal، ولا بين العالم الرقمي والعالم الحقيقي. نحن بحاجة فقط إلى أن نتذكر أن الصورة ليست الحياة، وأن ما يصلح للعرض ليس بالضرورة ما يستحق العيش.
لذلك، ربما يكون من المفيد بين حين وآخر أن نضع الهاتف جانبًا، وأن نذهب إلى مكان جميل دون أن نفكر في زاوية التصوير، وأن نجلس مع من نحب دون أن نفكر في توثيق اللقاء، وأن نترك بعض الذكريات بلا صور. لا أحد سيعرف أنها حدثت. وهذا ليس عيبًا. فبعض أجمل الأشياء في حياتنا ربما لا تحتاج إلى أن يعرفها أحد.
ماذا لو أطفأنا الكاميرا أحيانًا؟ ربما سنكتشف أن الحياة التي لا تُصوَّر لا تختفي، وأن اللحظة التي لا تحصل على إعجاب قد تكون جديرة بأن تُعاش، وأن أجمل ما في الحياة ليس دائمًا ما يمكن أن نعرضه للآخرين، بل ما يبقى فينا بعد أن تنطفئ الشاشة.