نجلاء العتيبي
أقرأ هذا الخبر فأقول: وطنُ الخير، ماذا نقول فيك، وأنت تجعل سلامةَ الإنسان أولويةً، وتصونُ حياته بعناية تسبق الخطر، وتمنح الوقاية معناها العملي في حياتهم اليومية؟ خبرُ توفير أجهزة الإنعاش القلبي ومزيل الرجفان الآلي في الأماكن العامة ومقرات العمل يتجاوز في أثره الإنساني حدود الإجراء التنظيمي؛ إنه معنى وطني كامل، تُقاس قيمته بنبضةٍ قد تعود، وحياة قد تُنقَذ، وأسرة قد تنجو من فاجعةٍ كانت تفصلُها عنها دقائق قليلة. حين توجد هذه الأجهزةُ في الجوامع والمساجد، والمدارس والجامعات، والحدائق والشواطئ، والأسواق والمطارات، ووسائل النقل، والمرافق الحكومية والرياضية والطبية والترفيهية، فإن الرعاية تغادر حدود المستشفى لتصبح قريبةً من الإنسان حيث يعيش، ويتعلَّم، ويعمل، ويتنقل، ويُصلّي، ويستريح. هذه هي العناية حين تتحوَّل من فكرة إلى حضور، ومن قرار إلى وسيلة نجاةٍ يمكن الوصول إليها في اللحظة التي لا تحتمل انتظارًا.
توقُّف القلب لا يختار عمرًا، ولا يستأذن مكانًا، ولا يمنحُ المحيطين بالمصاب متسعًا طويلًا للتفكير، وفي الحالات الطارئة تصبح الدقيقة أثمَنَ من كل شيءٍ؛ لذلك فإن وجود جهاز واضح وسهل الاستخدام في موقع قريب قد يصنع الفارق بين خبر مؤلم، وحكاية نجاة. هنا تتجلَّى قيمة القرار: استباق الخطر قبل وقوعه، وتجهيز المكان قبل أن يطلب أحدٌ النجدةَ، ووضع الحياة في مُقدمة الأولويات دون ضجيجٍ.
والأجمل أن اتساع المواقع المشمولة يحمل رسالة تتجاوز الجهاز نفسه؛ فالمواطن والمقيم والزائر جميعُهم داخل دائرة الاهتمام، من طفل في مدرسته، إلى موظَّف في مقر عمله، ومصلٍّ في مسجد، ومسافرٍ يعبر محطة، وأسرة تقضي وقتها في متنزهٍ، ومتسوق يمضي بين الممرات، أينما اتجه الإنسان يجد أثرًا يقول له: إن سلامته ليست شأنًا مؤجلًا، وإن الوطن يفكر في الاحتمال النادر كما يعتني بالحاجة اليومية.
هذا النوع من القرارات يُعبّر عن فهمٍ عميقٍ لجودة الحياة؛ فالمدن المتقدمة لا تُعرف بجمال طرقها، وارتفاع مبانيها وحدهما، وإنما بقُدرتها على حماية الناس في أكثر اللحظات هشاشةً، قد يحضر الجهاز في ركن هادئ من مكان يعجُّ بالناس، ويمضي إلى جواره مئات الأشخاص دون أن يحتاجه أحدٌ، غير أن وجوده يظلُّ شاهدًا على وعي يُقدّر الثانية، ويستعدُّ للحظة قبل مجيئها، ويمنح الطمأنينة صورة يمكن رؤيتها.
وحتى تكتمل قيمة هذه الخطوة، يأتي الوعي المجتمعي شريكًا ضروريًّا: فمعرفة مواقع الأجهزة، والمحافظة عليها، وتعلُّم مبادئ الإنعاش القلبي، والتعامل الهادئ عند الطوارئ، فالجهاز قد يحمل فرصة النجاة، واليد المدرَّبة تمنح هذه الفرصة طريقها الصحيح، ومن الجميل أن تُصبح ثقافةُ الإنقاذ معرفةً عامةً، يُتقنها الموظف والمعلّم والطالب وربُّ الأسرة؛ لأن المسؤولية تجاه الحياة لا تحتاج لقبًا مهنيًّا كي تكون عظيمة.
ولأن قيمة المبادرة تمتدُّ إلى المستقبل؛ فإنها تزرع في الأجيال معنى المبادرة والشجاعة والوعي؛ ليُدرك كلُّ فرد أن إنقاذ الآخرين مهارة إنسانية نبيلة، وأن المجتمع الأكثر أمانًا هو الذي يعرف أفراده كيف يتحرَّكون حين تصبح الثواني ميزانًا للحياة، لا وقتًا للانتظار.
وفي وطن الخير، لا تأتي التنمية أرقامًا جامدة، ولا تُختصر في مشروعات تُرى من بعيد؛ إنها تظهر أيضًا في جهاز صغير ينتظر بصمت ليحرس قلبًا لا نعرف صاحبه، وربما كانت أصدق صور التقدُّم تلك التي لا يشعر بقيمتها إلا إنسان عاد إليه نبضه، أو أم رأت عزيزها يفتح عينيه، أو أسرة مُنحت عمرًا إضافيًّا مع من تحب.
ماذا نقول عن وطنٍ يجعل الرحمة نظامًا، والوقاية ثقافة، والاستعداد مسؤولية؟ نقول إن العناية بالإنسان هنا ليست عبارة للاحتفاء، وإنما ممارسة تمتدُّ من أكبر المنشآت إلى أبسط الممرات، ونقول: إن السعودية، وهي تمضي نحو مستقبلها بثقة، لا تنظر إلى الإنسان بوصفه جزءًا من المشهد؛ تراه جوهره، وغاية إنجازه، والقيمة التي تستحق أن تُسخَّر لها المعرفة والإمكانات.
هذا خبر يبعث الفخر؛ لأنه لا يتحدَّث عن أجهزة موزَّعة في الأمكنة فقط، وإنما عن قلوب يحرسها وطن، وحين يكون إنقاذ روح ممكنًا بقرارٍ واعٍ، يُصبح القرار بابًا لأعمار جديدة، وتصبح الأماكن العامة أكثر أمانًا، ويغدو الامتنان أكبر من أن تحمله جملة واحدة، حفظ الله وطنًا يرى في كل نبضة أمانةً، وفي كل إنسان حياةً تستحقُّ أقصى العناية.
ضـــوء
«المملكة العربية السعودية ماضيةٌ نحو تحقيق كل ما يُعزّز رخاء المواطن، وازدهار الوطن وتقدُّمه وأمنه واستقراره، والتيسير على المواطن لتحقيق مختلف المتطلَّبات التي تكفُلُ له حياة كريمة، بإذن الله».
- الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.. حفظه الله.