سعود عبدالعزيز الجنيدل
قبل أن تأتي يا ChatGPT، كان الكاتب يُعرف من كتابته.
نقرأ له نصًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، حتى تتشكَّل في أذهاننا بصمته؛ نعرف مفرداته، وطريقته في بناء الجملة، وميله إلى الإيجاز أو الاستطراد، بل ربما عرفناه من سطر لم يُذيَّل باسمه.
كان النص يشبه صاحبه.
ثم جئت أنت!
ولست هنا في مقام الخصومة معك؛ فأنا واحد ممن يحاورونك، ويناقشونك، ويختبرون معك الأفكار، ويستعينون بك في البحث والمقارنة، وفي مراجعة معلومة أو اقتراح زاوية أخرى للنظر.
وأجد في ذلك امتدادًا طبيعيًا لأدوات الكاتب.
فالكاتب كتب يومًا بالقلم، ثم انتقل إلى الآلة الكاتبة، ثم إلى الحاسوب وبرامج معالجة النصوص، ولم يقل أحد إن برنامج Word كتب المقالة لمجرد أن الكاتب كتبها عليه.
وأنت -مع الفارق الكبير في القدرة- أداة أيضًا.
لكن المشكلة تبدأ حين ننسى أنك أداة.
صانع المحتوى الذي عرف الكتابة قبل ظهورك، وتمرّس في أساليبها، وقرأ، وكتب، ومحا، وأعاد الكتابة؛ لا أخشى عليه منك كثيرًا. يستطيع أن يجلس إليك ويناقشك، ويأخذ منك ويرد عليك، ويعرف متى أصبت ومتى أخطأت، ومتى جاءت عبارتك جميلة لكنها لا تشبهه.
إنه يقود الأداة؛ لأنها لم تأتِ لتمنحه عقلًا، بل لتوسّع إمكانات عقل موجود أصلًا.
أما الخطر الحقيقي، ففي صانع محتوى جاء بعدك، أو سلّم لك ملكته قبل أن تتكوّن.
يطلب منك الفكرة، ثم العنوان، ثم المقدمة، ثم الحجج، ثم الأمثلة، ثم الخاتمة. وبعد دقائق يضع اسمه على النص، بينما لا يكاد يكون حاضرًا فيه إلا في خانة «الكاتب».
ماذا سيحدث لصوته بعد سنوات؟
وكيف سيعرف أن جملة ما ضعيفة إذا لم يتعلم بناء الجملة؟ وكيف يكتشف خطأ في معلومة لم يكتسب أدوات التحقق منها؟ وكيف يقول لك: «هذه العبارة لا تشبهني» إذا لم يمنح نفسه الوقت الكافي ليعرف أصلًا ما الذي يشبهه؟
هنا تصبح المسألة أكبر من الاستعانة بالذكاء الاصطناعي؛ إنها مسألة امتلاك الأداة المعرفية التي تسبق الأداة التقنية.
لذلك لا أرى غضاضة في أن يستعين الكاتب بـChatGPT، بل أرى أن تجاهل إمكاناته قد يكون تفريطًا في أداة مهمة من أدوات العصر.
ناقشه، واختبر أفكارك معه، واطلب منه الاعتراض عليك، ودعه يبحث لك عن زاوية غابت عنك، ثم راجع، واحذف، وأضف، واختلف معه.
ولكن تعلّم الكتابة أولًا.
اقرأ حتى يتكوّن ذوقك، واكتب حتى يتكوّن صوتك، وأخطئ حتى تعرف لماذا كان الخطأ خطأً.
وللمفارقة، لم تُكتب هذه المقالة بعيدًا عنك يا ChatGPT!
ناقشتك في فكرتها، واقترحتَ، واعترضتُ، واختلفنا، وأخذتُ منك وتركت. وربما كان هذا الحوار نفسه أفضل مثال على ما أحاول قوله: أن تكون حاضرًا في صناعة النص، دون أن تكون صاحبه؛ عضوًا في الفريق، لا رئيسًا له.
فالفكرة فكرتي، والموقف موقفي، والاختيار اختياري… أما أنت، فكنتَ شريكًا في النقاش، وأداةً وسّعت مساحة التفكير.
وهكذا أحب أن أراك في غرفة الكتابة: قريبًا من الكاتب، لا جالسًا مكانه.
أدخلك إلى فريقي، وأمنحك مقعدًا إلى جواري، وأستمع إليك جيدًا؛ فأنت عضو شديد الذكاء والسرعة، لا تتعب من المناقشة ولا تملّ من إعادة المحاولة.
لكنني لن أمنحك الكرسي الذي في رأس الطاولة.
فالمشكلة ليست أن تكون ChatGPT عضوًا في فريق صناعة المحتوى؛ بل ربما بات ذلك أمرًا محمودًا.
المشكلة أن يأتي صانع محتوى لم يتعلَّم كيف يقود فريقه.
ثم يجعلك رئيسًا عليه!