د. عبدالحق عزوزي
من يتابع التحولات المتسارعة في العلاقات الدولية، ويرصد طبيعة التفكير الاستراتيجي السائد اليوم، قد يخرج بانطباع مفاده أن عواصم كبرى، مثل واشنطن وبكين وموسكو، تستعيد أكثر فأكثر منطق القوة كما صاغه كبار منظّري الحرب والاستراتيجية، من كارل فون كلوزفيتز، الجنرال والمفكر العسكري البروسي، إلى سون تزو، صاحب أحد أقدم المؤلفات في فنون الحرب والاستراتيجية.
ويبدو هذا المنحى، في جوانب عديدة منه، على مسافة من بعض التصورات التي رسخها مفكرون استراتيجيون معاصرون، وفي مقدمتهم جوزيف ناي، أحد أبرز منظّري مفهوم «القوة الناعمة»، والذي عبّر في كتاباته الأخيرة عن قلق واضح إزاء ما اعتبره تراجعًا أمريكيًا عن عدد من المقومات التقليدية لهذه القوة.
فقد انتقد ناي رؤية الرئيس دونالد ترامب لمفهوم القوة، معتبراً أن خلفيته في عالم الأعمال والعقارات جعلته يميل إلى النظر إلى السلطة من زاوية الإكراه والمساومة والصفقات، محذراً من أن القوة الناعمة الأمريكية قد تمر بمرحلة صعبة إذا استمر هذا التصور في توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
ولجوزيف ناي، الأستاذ والعميد السابق في جامعة هارفرد، مؤلفات أساسية كثيراً ما أنصح طلبتي بالعودة إليها. ومن أبرزها كتابه الصادر سنة 1990 «ملزمون بالقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية»، الذي ناقش فيه قدرة الدول على تحقيق التأثير العالمي بوسائل لا تقوم حصراً على الإكراه أو استخدام القوة العسكرية، وإنما أيضاً على الجاذبية والقدرة على الإقناع والتأثير.
ثم جاء كتابه الشهير «القوة الناعمة: معاني النجاح في السياسة الدولية» ليؤسس بصورة أكثر وضوحاً لهذا المفهوم، وليبين أن الدول تستطيع تحقيق جانب مهم من أهدافها ليس بما تفرضه على الآخرين، بل بما تجعل الآخرين يرغبون فيه طوعاً نتيجة جاذبية ثقافتها، ونموذجها السياسي، وقيمها، ومؤسساتها، وصورتها في العالم.
وكان ناي ينبه باستمرار إلى أن اللجوء إلى القوة الخشنة، حتى عندما يحقق بعض النتائج الآنية، قد تكون له أثار بعيدة المدى تمس المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية للدول الكبرى. ومن هنا جاءت دعوته المتكررة إلى الولايات المتحدة بأن تحافظ على عناصر جاذبيتها العالمية إذا أرادت أن تظل قوة مؤثرة في النظام الدولي.
لكن هل يعني ذلك أن القوة الناعمة الأمريكية قد انتهت؟
بالتأكيد لا.
فالقوة الأمريكية لم تكن يوماً قائمة على عنصر واحد، بل ظلت مزيجاً متغيراً من القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية والعلمية والإعلامية. ومن هنا فإن القوة الناعمة لا تختفي بمجرد تغير توجه إدارة سياسية أو انسحاب واشنطن من مؤسسة أو اتفاق دولي.
إن جزءاً كبيراً من هذه القوة لا تنتجه الدولة الأمريكية بصورة مباشرة أصلاً، وإنما تصنعه الجامعات ومراكز البحث والشركات التكنولوجية ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية وصناعة السينما والموسيقى والنشر، فضلاً عن الانتشار العالمي للغة الإنجليزية وأنماط العيش والاستهلاك.
ولعل أحد الأمثلة الدالة على ذلك شبكة «نتفلكس»، التي بلغ عدد مشتركيها حول العالم أكثر من ثلاثمائة مليون مشترك. فالأمر هنا لا يتعلق بمجرد شركة تبيع خدمة ترفيهية، وإنما بمنصة أصبحت جزءاً من صناعة عالمية للصور والقصص والقيم والتمثلات.
وتستطيع الأعمال الدرامية والوثائقية التي تنتجها أو توزعها مثل هذه المنصات أن تحرك نقاشات اجتماعية وثقافية وسياسية عابرة للحدود، وأن تدفع الأفراد، وأحياناً حتى الحكومات والمؤسسات، إلى التفاعل مع الموضوعات التي تطرحها.
وهذه القدرة لا تتوافر إلا للدول والمجتمعات والشركات التي تمتلك صناعة ثقافية قوية، وقادرة على جذب جمهور عالمي واسع. وهنا تحديداً تتجلى إحدى أكثر صور القوة الناعمة تأثيراً؛ إذ تصبح الثقافة واللغة والصورة والرواية أدوات تنافس دولي لا تقل أهمية، في بعض السياقات، عن الاقتصاد أو التكنولوجيا أو حتى أدوات القوة التقليدية.
كما أن الهيمنة الثقافية، أو حتى مجرد التفوق الكبير في إنتاج المضامين وتوزيعها، تضع لغات العالم وثقافاته الوطنية أمام تحديات غير مسبوقة، وتفرض على الدول التفكير جدياً في سياساتها الثقافية والتعليمية والإعلامية، وفي قدرتها على إنتاج المعرفة والصورة والرواية، لا الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
ومن جهة أخرى، لا شك أننا نشهد تآكلاً متواصلاً في بعض ركائز النظام الليبرالي الدولي، بالتوازي مع صعود النزعات القومية والشعبوية والانعزالية، وعودة خطابات كان يُعتقد أن البشرية تجاوزت الكثير منها.
لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تسير دائماً في خط مستقيم، وأنها كثيراً ما تولّد نتائج لم يكن من السهل توقعها لحظة اندلاعها.