ميسون أبو بكر
خطا الإعلام السعودي خلال السنوات الأخيرة خطوات سريعة وملحوظة، وشهد تحولات كبيرة على مستوى الأدوات والمنصات والحضور والانتشار، وأصبح الإعلاميون السعوديون اليوم أكثر حضورًا في القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، وأكثر قدرة على المنافسة في المشهد الإعلامي العربي والدولي، ومع ذلك يبقى السؤال الأهم: هل استطاع الإعلام السعودي أن يواكب التحول الكبير الذي تشهده المملكة، بالسرعة والعمق نفسيهما اللذين واكبتهما بقية قطاعات الدولة ووزاراتها؟ وكم عدد الأسماء التي وجدت لها موطئ قدم إعلامي في زحام الفضائيات الأخرى؟ وهل حقق المشتغلون من غير السعوديين في الإعلام المرئي بالذات الانتماء الحقيقي لرسالة الإعلام السعودي الخالصة وهويته كما كانت تجربة تلفزيون الكويت مثلا في السبعينات والثمانينيات؟
المملكة اليوم تعيش مرحلة استثنائية من التحول، تقودها رؤية طموحة أعادت صياغة كثير من المفاهيم في الاقتصاد والثقافة والسياحة والرياضة والاستثمار والتعليم وغيرها، وفي خضم هذا التحول لا ينبغي أن يكون الإعلام مجرد ناقل لما يحدث، بل شريكًا في صناعته، ومفسرًا له، وقادرًا على تقديم المملكة للعالم من خلال سردية واضحة ومتسقة تليق بسياسات المملكة وحضورها العالمي وما تريد أن تقدمه للآخر والإعلام مرآتها.
الاعلام الخاص مثل قناة العربية والحدث جزء لا يتجزأ من الإعلام السعودي الذي يتابعه العالم، وحازت على المصداقية والانتشار وحظيت برامجها بالاهتمام واستقطاب ضيوف من كل العالم، كما الحضور القوي في المناسبات المختلفة، وأصبح إعلاميوها أسماء لهم حضورهم ومكانتهم وتُعرف البرامج بهم، والأسباب كثيرة منها إخلاص هؤلاء من سعوديين وعرب للرسالة الإعلامية التي يتبنونها والموقف السعودي العادل.
لان الإعلامي هو مرآة لرسالته وصوت للقضية التي يقدمها للآخر وعلى قدر قناعته يحصد ثقة المشاهد لذلك على كل منشأة إعلامية أن تحرص على اختبار منسوبيها، فرسالة الإعلام هي مسؤولية وهوية ووعي وهذا ما تعلمته في مشواري الإعلامي، وأنا أتحدث عن الإعلام السعودي لا أستطيع أن أفصل رأيي عن تجربتي الشخصية التي امتدت لسنوات في الكتابة والتلفزيون والإعلام الثقافي، وهي تجربة جعلتني أرى الإعلام ليس باعتباره مهنة فقط، وإنما رسالة ومسؤولية وعلاقة إنسانية تتجاوز حدود الشاشة. لا بد للإعلامي في الإعلام السعودي أن يحمل هوية سعودية واضحة في رؤيته ومحتواه وأولوياته، نحن نحتاج إلى إعلامي يعرف أن ظهوره ليس مجرد حضور تلفازي، وأن المواقف لا تتغير بتغير المنصة.
لقد قطعت المملكة أشواطًا كبيرة في بناء مؤسساتها ومشاريعها الجديدة، وحان الوقت لأن يقطع الإعلام المسافة نفسها؛ من إعلام يواكب الحدث إلى إعلام يصنع الوعي حوله؛ ومن مجرد شاشة تعكس الصورة إلى قوة ناعمة تصوغ الحكاية.
الإمكانيات التي تخصص اليوم للقنوات الحكومية والمؤتمرات الإعلامية ومنتدى الإعلام السعودي هي طاقات مادية كبيرة لم تكن موجودة قبل سنوات كانت وقتها الجهود فردية، والشغف والانتماء ما كان يمنح الثبات والصبر للإعلاميين في التميز والاستمرار ، اليوم المسؤولية أكبر والرؤية التي أخذت البلاد لفضاءات أرحب وخريطة حياة جديدة فإنها تنتظر أن يواكب الإعلام ركبها بما يحقق رسالتها ويترك الأثر في كل مشاريعه وأفراده ومؤسساته.
لا نريد للمناسبات الإعلامية أن تمر مثل كرنفال بعروض سرعان ما تنتهي.. لاستثمار كل حدث وكل ضيف وكل مناسبة هي الغاية.
وصلتني دعوة لورشة يقيمها المنتدى السعودي للإعلام أثناء كتابتي لهذا المقال بعنوان «من الفكرة إلى الأثر» وهي ورشة عصف ذهني ومثلها ورش كثيرة تسبق المنتدى وهي أفكار خلاقة تسهم في حصاد آراء المختصين لانجاح هذا المنتدى الذي أصبح علامة فارقة ليس في المنطقة فحسب بل في العالم.
ولعل الأثر الذي حمله عنوان الورشة هو ما نحب أن يتركه كل مشروع إعلامي سعودي.
حيث الإعلام معركتنا مع الآخر وإن كان سلاحه هو الكلمة والفكرة والرسالة.