د.عبدالله الفايز
لعل من أهم الجوانب التي تستحق التوقف عندها هي ظاهرة حفلات الزواج المتضخمة والتبذير المنهي عنه، ومتى نعود الى رشدنا؟ حيث أنها لم تعد شأناً خاصاً بالعروسين أو بعائلتيهما، وإنما أصبحت في بعض الحالات عبئاً اجتماعياً يشارك فيه المجتمع كله، وربما من دون أن يختار ذلك. فما ذنبي أنا إذا كان ابنك يريد أن يتزوج ابنة صديقك أو قريبك؟ ولماذا أصبح مطلوباً مني أن أقطع مسافة طويلة في مدينة مثل الرياض في ساعات المساء، وربما أستغرق ساعة أو ساعة ونصف للوصول إلى المناسبة، ثم مثلها أو أكثر في العودة، فقط لأن شخصاً قرر أن يقيم حفلاً ضخماً في مكان بعيد؟
أنا أتفهم تماماً واجب المشاركة في أفراح الأقارب والأصدقاء، وأرى أن حضور الزواج والمشاركة في فرحة الآخرين من أجمل صور التواصل الاجتماعي، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحضور إلى التزام مرهق زمنياً ومادياً ومرورياً بسبب تضخم المناسبة نفسها. فالضيف يدفع من وقته، ومن وقود سيارته، ومن أعصابه، ومن وقته مع أسرته، ومن الوقت الذي كان يمكن أن يستخدمه في عمل أو راحة أو رعاية أبنائه، كما أن آلاف السيارات التي تتحرك في الوقت نفسه إلى مئات المناسبات تشكل عبئاً إضافياً على الطرق والمرور واستهلاك الوقود والانبعاثات.
وإذا نظرنا إلى الظاهرة من منظور حضري، فإن حفلات الزواج الكبيرة قد تصبح أحد الأنشطة الاجتماعية التي تولد حركة مرورية ضخمة في فترة زمنية قصيرة، خصوصاً في المدن الكبيرة مثل الرياض، حيث المسافات طويلة أصلاً وحيث يمكن أن تستغرق الرحلة إلى قاعة مناسبة وقتاً يساوي أو يتجاوز مدة المناسبة نفسها. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل من المعقول أن يتحول حضور مناسبة اجتماعية يفترض أن تكون وسيلة للفرح والتواصل إلى رحلة تستغرق ثلاث ساعات أو أربعاً من حياة الإنسان؟
والمشكلة تصبح أكبر عندما تنتقل هذه الثقافة من مجرد عادة اجتماعية إلى معيار للمكانة، فيبدأ الإنسان في مقارنة حفله بحفلات الآخرين، وتصبح القاعة الأكبر والأفخم، والطعام الأكثر تنوعاً، والزهور الأكثر تكلفة، والمطرب الأشهر، وعدد العاملين الأكبر، والإضاءة والكوشة والتجهيزات الأضخم، مؤشرات ضمنية على النجاح الاجتماعي.
وهنا يدخل أصحاب الدخول المحدودة في مشكلة حقيقية، لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بالمجتمع المحيط به، وقد يقول الابن لأبيه إن فلاناً أقام زواجاً بهذا المستوى، فلماذا لا تفعل مثله؟ او قد يضطر هو! وقد لا تكون الأسرة قادرة على تحمل هذه التكاليف، ولكنها تشعر أن إقامة زواج بسيط ستجعلها تبدو أقل من غيرها. وقد يصل الأمر إلى أن يستدين الشاب من أجل ليلة واحدة، أو يحصل على قرض طويل الأجل لتمويل حفل ينتهي خلال ساعات، ثم يبدأ حياته الزوجية مثقلاً بالدين. وهنا تصبح المفارقة مؤلمة؛ فالشاب الذي يفترض أن يبدأ مرحلة جديدة من حياته بالأمل والاستقرار يجد نفسه يبدأها بالتزام مالي ربما يستمر سنوات، بينما انتهت المناسبة التي اقترض من أجلها خلال ليلة واحدة.
وقد يكون أكثر ما يدعو إلى التأمل أن بعض هذه المصاريف لا تذهب في الحقيقة إلى بناء مستقبل الزوجين، وإنما إلى خدمات مرتبطة بالمناسبة نفسها. فالأموال الكبيرة التي تنفق يستفيد منها منظمو الحفلات والقاعات والمطاعم والتجهيزات والزهور والموسيقى والتصوير والديكور، بينما كان يمكن توجيه جزء كبير منها إلى تأسيس بيت الزوجية، أو شراء منزل، أو دفع مقدم السكن، أو شراء سيارة يحتاج إليها الزوجان، أو تكوين مدخرات تساعدهما في السنوات الأولى، ولكن السؤال الاجتماعي الذي يستحق أن نطرحه هو: هل ينبغي أن يصبح مستقبل الأسرة الجديدة هو الطرف الذي يتحمل التكلفة الأكبر بينما تستفيد قطاعات الخدمات من ليلة الاحتفال؟ ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الاستفادة الاقتصادية من حفلات الزواج أمر سلبي في حد ذاته؛ فكل نشاط اقتصادي يخلق وظائف ودخلاً ويشغل شركات ومؤسسات، وهذا أمر طبيعي. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الاقتصاد الاجتماعي قائماً على دفع الناس إلى الإنفاق فوق قدرتهم بسبب المنافسة والمظهر والضغط الاجتماعي. فالاقتصاد الصحي هو الذي يلبي احتياجات حقيقية ويخلق قيمة مستدامة، وليس الذي يدفع الأسر إلى الاقتراض من أجل المحافظة على صورة اجتماعية مؤقتة.
ومن المفارقات أيضاً أن ظاهرة البذخ قد تتحول إلى نوع من الضغط على من لا يرغب فيه أصلاً. فقد يكون هناك أب مقتدر يريد أن يقيم زواج ابنه بطريقة بسيطة، وقد يكون الابن نفسه مقتنعاً بأن الزواج بداية حياة وليس مناسبة للاستعراض، ولكن الأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء قد يقولون له: ماذا سيقول الناس؟ كيف سيكون الزواج بهذه البساطة؟ لماذا لا تفعل مثل فلان؟ وهنا يصبح الإنسان أسيراً لعبارة «ماذا سيقول الناس»، وهي عبارة كان لها دور كبير في تكوين كثير من العادات الاجتماعية، ولكنها في عصرنا الحديث أصبحت أحياناً سبباً في تحميل الأسر أعباء لا تحتاج إليها. والأخطر من ذلك أن هذه الثقافة يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل حتى تصبح شيئاً يشبه القاعدة غير المكتوبة. فالجيل الجديد لا يبدأ من الصفر، وإنما يرث مستوى الاحتفال الذي وصل إليه الجيل السابق، ثم يحاول أن يتجاوزه. فإذا كانت حفلة الأمس كبيرة، يجب أن تكون حفلة اليوم أكبر، وإذا كانت القاعة فخمة، يجب أن تكون القاعة أفخم، وإذا كان الطعام كثيراً، يجب أن يكون أكثر، وإذا أحضر أحدهم مطرباً معروفاً، يبحث الآخر عن مطرب أشهر، وإذا أقيم الزواج في فندق فاخر داخل المملكة، قد يبحث آخر عن فندق أفخم في مدينة أجنبية. وهكذا تتحول المناسبة من احتفال بالزواج إلى سباق لا توجد له نهاية؛ لأن معيار المقارنة يتغير باستمرار.
أما إقامة حفلات الزواج في الخارج فهي ظاهرة تستحق نقاشاً مستقلاً، ليس لأن السفر أو إقامة الحفل خارج المملكة أمر خاطئ في ذاته، وإنما لأن بعض الأسر قد تجد نفسها مضطرة إلى ذلك للهروب من القيود الاجتماعية المرتبطة بشكل الحفل داخل المجتمع، فتتحول المناسبة إلى رحلة كاملة تشمل الفندق والإقامة والقاعات والضيوف والمأكولات والمشروبات والديكور والموسيقى والترفيه وغيرها. وقد يكون الأمر في بعض الحالات أقرب إلى تنظيم مهرجان خاص لمدة يوم أو عدة أيام منه إلى وليمة زواج.
ومرة أخرى لا ينبغي أن نحاكم الأشخاص أو اختياراتهم الفردية، ولكن ينبغي أن نسأل: هل نحن أمام تطور طبيعي في الاحتفال أم أمام تضخم اجتماعي جعل المناسبة الأصلية غير كافية ما لم تضف إليها طبقات متزايدة من الإنفاق؟
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن حفلات الزواج الكبيرة تفرض تكاليف غير مباشرة على المجتمع الحضري. ففي مدينة ضخمة مثل الرياض، عندما يتوجه مئات أو آلاف الأشخاص في الوقت نفسه إلى قاعات متباعدة، فإن ذلك يعني آلاف الرحلات الإضافية في وقت المساء، وزيادة في الضغط على الطرق، واستهلاكاً إضافياً للوقود، وتأخيراً في حركة المرور، وتأخيراً في وصول الناس إلى منازلهم وأعمالهم، وربما تأثيراً في قدرة الأسر على قضاء وقتها مع أطفالها.
وإذا جمعنا هذه الساعات المهدرة على مستوى آلاف الأشخاص ومئات المناسبات على مدار العام، فقد نجد أن المجتمع يخسر كمية ضخمة من الوقت في نشاط اجتماعي كان يمكن أن يؤدي غرضه بصورة أبسط وأقرب وأكثر كفاءة. وفي عصر أصبحت فيه قيمة الوقت أعلى من أي وقت مضى، فإن علينا ألا ننظر إلى تكلفة المناسبة بالريال فقط، بل يجب أن ننظر أيضاً إلى تكلفة الوقت والحركة والطاقة والازدحام.
وهنا يمكن أن نصل إلى فكرة ربما تكون أهم من مجرد الدعوة إلى تقليل تكاليف الزواج، وهي ضرورة إعادة تعريف معنى الكرم. واحترام الضيف، وإدخال الفرح إلى قلبه، وتيسير حضوره، وعدم إرهاقه، وعدم إرهاق أصحاب المناسبة أنفسهم. وربما يكون من الكرم أيضاً أن تقول للمدعو: أريدك أن تأتي وتفرح معنا، ولكنني لا أريد أن أستنزف ساعات من حياتك في الطريق، ولا أريد أن أجعلك تنفق من مالك، ولا أن أجعلك تشعر أنك مضطر إلى شراء ملابس جديدة أو تحمل تكاليف إضافية فقط لأنك مدعو إلى زواجي.
كما أن من حق الإنسان المقتدر أن ينفق من ماله كيف يشاء في حدود النظام والشرع، ولكن من حق المجتمع أيضاً أن يناقش آثار بعض العادات عندما تتحول من خيار فردي إلى ضغط جماعي. فالذي يستطيع أن ينفق ملايين الريالات على حفل زواج قد لا يشعر بالعبء، لكن المشكلة أن إنفاقه المرتفع قد يرفع السقف الاجتماعي بالنسبة إلى الآخرين، فيصبح من يملك القليل مطالباً بأن يتصرف وكأنه يملك الكثير. وهنا يبدأ التقليد، ثم تبدأ المقارنة، ثم يبدأ الاقتراض، ثم يبدأ الندم. وربما نحتاج في المجتمع إلى إعادة الاعتبار إلى الزواج البسيط، لا باعتباره زواج الفقراء، وإنما باعتباره خياراً محترماً يمكن أن يختاره الغني والمتوسط ومحدود الدخل على السواء.
فالزواج البسيط لا يعني أن الإنسان بخيل، كما أن الزواج الفخم لا يعني بالضرورة أن الإنسان كريم. هذه أوصاف اجتماعية غير عادلة. وقد يكون الإنسان الذي ينفق على مستقبل أبنائه ويترك لهم بيتاً ومدخرات وتعليماً أفضل بكثير ممن ينفق ثروة على ليلة واحدة ثم يترك الشاب يبدأ حياته بالديون.
وفي النهاية، ليست المشكلة في الفرح، ولا في إكرام الضيف، ولا في الوليمة، ولا في أن يحتفل الإنسان بزواج ابنه أو ابنته بالطريقة التي يحبها، وإنما المشكلة عندما تتحول المناسبة إلى منافسة، والمنافسة إلى ضغط، والضغط إلى ديون، والديون إلى أعباء على الأسرة، ثم تتحول هذه الأعباء إلى عادة يتوقعها المجتمع من الجميع. وربما يكون من المفيد أن نتذكر أن أصل المقصود هو الزواج نفسه، وأن الوليمة وسيلة لإشهاره.
إننا بحاجة إلى إعادة صياغة كثير من العادات الاجتماعية ومنها حفلات الزواج بما يتناسب مع المجتمع الحديث دون أن نفقد جوهرها. يمكن أن يبقى الزواج فرحاً، ولكن أقل إسرافاً، ويمكن أن تبقى الضيافة قيمة، ولكن من دون منافسة، ويمكن أن يبقى حضور الناس مهماً، ولكن مع احترام وقتهم ووقت أصحاب المناسبة. ويمكن أن تصبح البساطة مرة أخرى قيمة اجتماعية لا علامة على ضعف القدرة المالية. فالزواج ينبغي أن يكون بداية حياة لا بداية دين، وإذا استطعنا أن نقننها ونعيد هذه المناسبات إلى معناها الإنساني مع الاستفادة من أدوات العصر الحديث والتواصل المرئي كحضور، فإننا لا نكون قد تخلينا عن عاداتنا، بل نكون قد طورناها لتصبح أكثر ملاءمة للمجتمع وأكثر انسجاماً مع قيم الاعتدال والتكافل والاستدامة واحترام الإنسان ووقته وماله.