د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
تتيح أنظمة اللغة إمكانات متعددة من الاستعمال؛ ولكن المستعمِل ربما تخيّر من بين تلك الإمكانات ما يستخفه أو ما يروق له، مثال ذلك أن الفعل الثلاثي المجرد قد يزاد بحرف ولتلك الزيادة ثلاثة إمكانات: زيادة الهمزة (أفْعَلَ)، وزيادة الألف (فاعل)، وزيادة العين (فعّل)، وقد تجد فعلًا من الأفعال استعملت فيه هذه الأبنية الثلاثة، مثل الفعل (جلس) نجد من مزيده (أجلس) و(جالس) و(جلّس)، وليس كل فعل يستعملون منه تلك الزيادات.
ومن ذلك الجموع فمنها السالم ومنها المكسّر، فربما استعملوا المكسر مع أن السالم قياسي ولكنهم اختاروا المكسر اختيارًا، ونضرب أمثلة لذلك، مثل لفظ (دكتور) وهو لفظ دخيل عومل معاملة الوصف العربي فالمؤنث منه دكتورة، وجمعها دكتورات، وكل نعت للعاقل قياسه أن يُجمع بالواو والنون؛ ولذلك يجوز أن يقال: دكتورون؛ ولكن الاستعمال اللغوي قد يتأثر باختيار المستعملين، فهم يميلون لاستعمال جمع التكسير منه: دكاترة، ومثله جمع (سيّد) نراهم قالوا: سادة في الغالب، ولم يقولوا: سيّدون وهو قياسيّ، مع أنهم يقولون: سيدات. وربما كان التخير مرتبطًا بمجال الاستعمال، فالمفرد (عامل) يمكن أن يجمع جمع سلامة (عاملون) وجمع تكسير (عمّال) والجمعان مستعملان ولكن يختار (عاملون) للعمل المعبر عن العبادة والمعبر عن أعمال الإدارة ونحوها، قال تعالى (لِمِثْلِ هَـذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [61-الصافات]، وقال تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [60-التوبة]، وجاء في عنوان دراسة (أثر تطبيق وظائف إدارة الموارد البشرية على أداء العاملين في مؤسسة الضمان الاجتماعي الأردنية)، وأمّا (العمال) فتختار للدلالة على أصحاب الحرف والأعمال اليدوية.
وأبنية جموع التكسير قسمان: أبنية قلة، وأبنية كثرة، وحصر ابن مالك أبنية القلة في أربعة، قال:
أَفْعِلَةٌ أفَعُلُ ثم فِعْلَهْ ... ثُمَّت أفعالٌ جموعُ قِلَّهْ
وما سوى ذلك أبنية كثرة. وربما استعملوا للواحد جمعًا على بناء القلة وآخر على بناء الكثرة، مثل (بحر) قالوا (أبحار) جمع قلة، وقالوا (بحار) و(بحور) جمعي كثرة، وربما اقتصروا على بناء القلة كجمعهم (رِجْل) على (أرجل) أو على بناء الكثرة مثل جمع (رجُل) على (رجال). فإن اشتمل الواحد على صوتين مثلين تخيروا له بناء يحقق الادغام للتخفيف فيجمعون (زمام) على أزمَّة و(زقاق) على (أزقّة).
وربما يتجنبون جمع الواحد جمع سلامة مثل (عبد) فلا يقولون (عَبدون) مع أنهم يقولون (عبدات)، ومما يجمعونه عليه (عباد) و(عبيد) و(أعبد) و(عِبدان). ومثل (طبيب) فلا يقولون (طبيبون) بل يكسرون الواحد على (أطبّاء) وتخيروا هذا البناء لتماثل صوتين في الواحد.
وربما استبد جمع السلامة بآحاد فلا تجد لها جمع تكسير، يقولون: معلمون، ومدرسون، ومهندسون. والطريف أننا سمعنا العامة في نجد قبل خمسين عامًا يكسرون آحاد مثل هذه الألفاظ، سمعناهم يجمعون (معلم) على (مْعَلّمِه) أي مُعَلِّمَة، و(مدرس) على (مْدَرّسِه) أي مُدَرِّسَة. و(مهندس) على (مْهَنْدْسِه) أي مُهَنْدِسَة، ويمكن تخريجه على إرادة الجماعة أي جماعة معلمة وجماعة مدرسة وجماعة مهندسة، ولكن هذا الاستعمال نسي بتأثر من انتشار التعليم النظامي، وهذا البناء الذي بني عليه (مُفَعِّلَة) ليس من ابنية الجموع في الفصحى حسب علمي. واختار المجتمع جمع السلامة.
وربما أسرفوا في تكسير ما لا يكسرن مثل جمعهم (مدير) على (مُدراء) توهموا أن الميم أصل وأن الواحد على بناء (فُعِيل)، والواحد يجمع جمع سلامة فيقال (مُديرون)، ولكن تخير المجتمع لهذا ولكثرة دورانه صححه أستاذنا أحمد مختار عمر، قال «رأى مجمع اللغة المصري أن توهّم أصالة الحرف الزائد لم يبلغ درجة القاعدة العامة، غير أنه ضَرْب من ظاهرة لغوية فطن إليها المتقدمون ودعمها [ص:677] المحدثون؛ ولذا ففي الوسع قبول نظائر الأمثلة الواردة على توهّم أصالة الحرف الزائد، مما يستعمله المحدثون إذا اشتهرت ودعت إليها الحاجة. وقد ورد منها في القديم: تمندل، وتمرفق، وتمسكن، وتمدرع. وهو ما ينطبق على كلمة (مُدَراء)»(1).
ومن أشهر ما تركه المجتمع اللغوي واختار غيره الفعلين الماضيين (ودع) و(وذر) وتركوا اسمي الفاعل والمفعول؛ فلم يقولوا (وادع) ولا(واذر) ولم يقولوا (مودوع) و(لا موذور) واكتفوا بالفعل (ترك) واسم الفاعل (تارك) واسم المفعول (متروك).
وربما اختارت اللغة المحكية التصحيح للتفريق، فلفظ جَرو يطلق على صغار السباع والكلاب وعلى نوع من البطيخ؛ ولكن العامة إذا أرادت تصغير جرو السباع أدغمت (جريّ) وهو القياس، وإذا أرادت جرو البطيخ صححت (جريو).
للتخيّر الاجتماعي أثر في اللغة.
**__**__**__**__**__**
(1) معجم الصواب اللغوي لأحمد مختار عمر، 1/ 676.