أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إنَّ دراسة الظَّواهر المَرَضيَّة أوجب عِلميًّا من دراسة الظَّواهر الصِّحيَّة. غير أنَّ كثيرًا من الدارسين لا يدرسون لوجه العِلم، ولا بموضوعيَّته، وإنَّما تبدو دراساتهم تبشيريَّة، ترويجيَّة، دعائيَّة لأعمال معيَّنة، يحبُّها الدارس، ويتبنَّى مضامينها، عاطفيًّا أو أيديولوجيًّا. ولذا تأتي في هذا السياق تُهمة «الحداثة»، مثلًا، كتُهمة «القَدامة» و«التقليديَّة» لدَى فريقٍ مقابل. مع أنَّ المنهاج العِلمي ينبغي أن يتجرَّد عن الأفكار السابقة، وترديد نمطيَّات تعبيريَّة سائدة، ومصادرات حُكميَّة فاشية. وإلَّا فما منَّا مَن لا يمكن أن يُصنَّف أو يُلقَّب. من حيث إنَّنا جميعًا واقعون في مزالق التصنيف، وإنَّما الرشيد من احترمَ عقله، ونَظَرَ بموضوعيَّة، دون أن ينجرف في تقليدٍ أو تيَّارٍ، أو ينساق مع قطيع. أمَّا ما يُقال، أو يُكال، فثقافةٌ مشتركة، يأخذ منها كلُّ طَرَفٍ بطَرَف!
لأجل هذا يلحظ المراقب للحراك الثقافيِّ العَرَبيِّ أنَّه -كما اتُّخذِت الكتابة الروائيَّة مطيَّةً أحيانًا- يُتَّخَذ البحث حولها مطيَّة أيضًا، فيُصبِح احتفائيًّا، انتقائيًّا، لترسيخ أسماء، أو تعميم أفكار، أو لمجرد ميلٍ ذاتيٍّ وهوًى نفسيٍّ. وبسبب هذا كانت معايير الخطط العِلميَّة، التي تستحق هذا الاسم، تسأل عن أسباب اختيار الموضوع، والأهداف العِلميَّة، التي يلزم أن تكون عِلميَّة، مقْنِعةً «عِلميًّا»، لا عاطفيًّا.
في هذا المضمار هبَّت عاصفة الرواية، بعد 2001 على عالمنا العربي، بما أثارته من زوابع هنا وهناك. وقد دهمت الساحات طافحةً بدوافع الفضح الاجتماعي. وذلك لعاملَين: الأوَّل يتعلَّق بماردٍ تحرَّرَ من قُمقم كبتٍ طويل، فكان تخبُّطه صاخبًا، كتخبُّط (عفريت القماقم)، شغفًا بالحُريَّة، أو ب«التنوير»، كما تحلو التسمية، أو حسب روايةٍ أخرى: شغفًا بالنظر بعينَي (زرقاء اليمامة)، أو قُل بعيني (يوسف زيدان)! الذي يرى نفسه (زرقاء يمامة) مِصْريَّة، أصبحت ترى أشياء كثيرة، لم تكن تراها بالأمس. وما يُدرينا، فقد ترَى زرقاء يمامةٍ عمياء غدًا ما لا تراه اليوم، في عصرنا الضبابي هذا! على رأي الشاعر اللُّبناني (طانيوس عبده، - 1926):
ما مضَى فاتَ، والمؤمَّلُ غيبٌ،
ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها
بمعنى: «الساعة التي مصالحك فيها»! وأمَّا العامل الآخَر، فيتعلَّق بماردٍ سرديٍّ، كان محاصَرًا بالشِّعر والشِّعريَّة، وهو مندفع ليحظى بمقعده الروائيِّ، بأيِّ ثمن. ولقد أسال العاملان- مع ما واكبهما من ضخٍّ إعلاميٍّ، فَتَحَ باب الشُّهرة لكلِّ مَن سَرَدَ- لُعابَ أقلامٍ شتَّى، بعضها ليس لها رصيد، لا معرفي ولا فنِّي، في مجال الرواية، وربما لا حظَّ لها يُذكَر في مجال الأدب أصلًا.
وهكذا نُشرت روايات لا روايات فيها، ولا هدف لبعضها -إلى هدف الشُّهرة، وشَرَف المنع من قِبَل الرقابة، ونَعْتِ الجرأة والتمرُّد، وازرقاق العينَين اليماميَّتَين- غير تملُّق الآخَر الغربي. لسان حالها: ها نحن هؤلاء لا نقلُّ عنكم انحلالًا! وهذا هو معيار الحُريَّة والتحضُّر، كما يفهمهما بعضنا في أزمتنا الحضاريَّة (العربيَّة). أو ربما كانت الرسالة على نحوٍ آخَر، «أَثْوَل» اللِّسان والجنان: ها هي ثقافتنا العَرَبيَّة والإسلاميَّة ثقافة نفاق، ظاهرها طُهوريٌّ، وباطنها حيواني. ولهذه الحالة تاريخٌ عريق، وسَلَفٌ طالح، من أدباء التراث وفقهائه ومؤلِّفيه. لماذا نظلم حضارتنا وفيها ما فيها من تلك الصفحات المشرقة؟! فلئن هزمَنا الغربُ في العلوم والفنون والتقنية، فلا أقلَّ من أن نُثبِت جدارتنا في وجوه أخرى من التفوُّق، وأن نحطِّم الأرقام القياسيَّة في هذا المضمار الحيويِّ من تخطِّي الحواجز! ولعلَّنا نستطيع أن نغزوه مجدَّدًا، كما غزوناه مقدَّمًا، عبر عابرة القارات «ألف ليلة وليلة»، بجواريها وسيِّداتها وغلمانها وعبيدها! ولهذا، فحبَّذا أن تكون المؤلِّفة اليوم، أو على الأقلِّ بطلة النصِّ الروائي، (شهرزاد معاصرة)، كالمرحومة جدَّتها؛ لأنَّ ذلك أنكَى تاريخيًّا وأدلُّ على مقولة: إنَّ التاريخ يعيد نفسه! وتلك هي المهمَّة الجليلة التي اضطلعتْ بمشروع البرهنة عليها بعض الماجدات العربيَّات من شهرزاداتنا المعاصرات!
وفي هذا المقام لامست الكاتبة والناقدة الفنِّيَّة المغربيَّة (زهرة زيراوي، -2017)- وهي ذات مشاركات بالعديد من أعمالها في جهاتٍ مختلفة، في (المغرب) و(بلجيكا) و(النمسا)- هذه الظاهرة. مشيرةً في مقالة لها تحت عنوان «ما الكتابة؟: هل يُزهر الأدب في الأرض اليباب؟»، ضمن كتاب عنونته ب«الأرض برتقالة زرقاء/ ما الكتابة؟»، إلى تركيز بعض كُتَّاب الرواية وكاتباتها من العَرَب على الغرائز والعاميَّات، اعتقادًا أنهم بذلك يؤسِّسون لشيءٍ جديد. ولا داعي لذكر الأسماء هاهنا، حتى لا يُستثار «الغضب الملحمي» على الطريقة «الترمبيَّة»! ويأتي في مقابل هذا «العاصوف» الروائي أن تتناول أقلامٌ نقديَّةٌ أعمالًا روائيَّة لمجرَّد احتفائها بما يودُّون الاحتفاء به؛ فإذا «النقد» يرى فيها استثناءً لأنها عرَّت المستور. وهي الحجَّة الرائجة اليوم، تحت شِعار: (كشف المسكوت عنه). وباللَّهجات العاميَّة في بعض الروايات يكتمل سرد الضحالة: سوقيَّة اللُّغة وانحطاط المضامين، التي تعطي لل(هُوَ)- بمصطلح (سيجموند فرويد)- السيادة المطلقة في البوح بما لا يبوح به الشيطانُ ابن الأبالسة!
ثمَّ تستشهد الكاتبة على تهافت الرواية العَرَبيَّة بأمثلة، للمقارنة مع الرواية المحتفى بها في الغرب، كرواية «الرِّقَّة التي تغتال»، ل(فرانسواز دورنيه)، الصادرة عام 2004، الحائزة على جائزة أفضل رواية فرنسيَّة، وروايات (شاركدي إمره)، مثل روايته «سمعان العامودي»، أو «المخطوط القرمزي»، للأسباني (أنطونيو غالا). هذا العمل الضخم الذي تقرأ فيه قطعةً من تاريخ الأندلس، و(أبي عبد الله الصغير) آخِر أمراء الأندلس. وهي رواية نالت جائزة بلانيتا عام 1990، التي تُعدُّ من أهم جوائز الرواية في إسبانيا. وهكذا كُتِب هذا الجانب من تاريخنا الأندلسي بقلم روائيٍّ أندلسيٍّ إسباني، ولم يُمِط عنه اللِّثام قلمٌ عربيٌّ؛ لأنَّ رَبعنا الروائيِّين العَرَب مشغولون بحاراتهم، وبما في ثيابهم، وبهمومهم التافهة اليوميَّة! صحيح أنه يحضر في تلك الأعمال الغربيَّة عنصر الجنس، لكنه حضورٌ ذو معنَى، لا تمحُّكًا بدائيًّا مريضًا، كحال بعض الأعمال العَرَبيَّة.
وهنا عَينُ المسألة النجلاء؛ من حيث إنَّ الموقف النقدي ليس من ورود مكونٍ إنسانيٍّ أو اجتماعيٍّ ما في العمل السَّردي، بوصفه مكوِّنًا طبيعيًّا من نسيج العمل، موظَّفًا للتعبير عن قضيَّة، دون تبذُّل، ولا في أسلوبٍ شارح للتفاصيل، التي تعرفها كل الكائنات الحيَّة، بل الموقف من أن يبدو ذلك هو المتن الأساس، والمحكُّ الأوَّل والأخير في تلك الأعمال السرديَّة في العالم العربي -وكذا في الأفلام السينمائيَّة- وكلُّ ما عداه يبدو هامشًا، ووسيلةً إلى غاية. وهنا تصبح الغاية دونيَّةً خُلُقًا، سمجةً إبداعًا.
إنَّ بوسع القارئ أن يجد في العمل الروائي الغربيِّ الجيِّد، وكذا في الفِلْم الغربي، القيمتَين الإنسانيَّة والفنِّية، بخلاف معظم الأعمال العَرَبيَّة. وذلك -ببساطة- لأنَّ تلك الأقلام والأفلام في سياقنا المكبوت لا قضايا لها، ولا يقف وراءها مبدعٌ حقيقي، بل دَعِيٌّ، يتسوَّل غرائز الناس، أو غِرٌّ يبحث عن شُهرة. فالجمال -حتى في صورته العارية- قيمةٌ عُليا، إنْ ارتفعَ به الذوق الراقي إلى سماوات التأمُّل، الذي يتخطَّى خِسَّة العضويِّ المحض إلى نورانيَّة الروح.
لقد ظلَّ السؤال الجَمالي الأزلي -في مثل هذا الشأن-: هل الجَمال جسد؟ أم هو روح، وفكر، وثقافة؟ والإجابة الصادقة: أنَّه الاثنان.. أو بالأصح الأربعة! وجَمال الجسد، من حيث هو، قيمةٌ روحيَّةٌ أيضًا، وفكريَّة، وثقافيَّة. غير أنَّ الإشكال يكمن في اختزال قيمة الجمال في شكل مادَّته، وإهمال جوهره. ولا شكَّ أنَّ الرَّجُل معذورٌ في تطلُّب الجَمال في المرأة، فذاك أمرٌ فطري، والمرأة تتطلَّب مثل ذلك في الرَّجُل. لأنَّ الحُبَّ شيءٌ وأن تعشق (مكتبة الكونجرس) شيءٌ آخَر! بَيْدَ أنَّ الجَمال الغَبِيَّ يبدو أقبح من القُبح الذَّكي، لدَى الإنسان السوي. على حدِّ قول (أبي تمَّام):
لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ
لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي
والسبب أنَّ الإنسان السَّويَّ لا تُحرِّكه نزوعات الغريزة وحدها، ولا ظاهريَّات الخَلْق لحالها، بل هو يتطلَّب درجاتٍ عُليا من الكمال والتكامل، بين جماليَّات الصورة وجماليَّات العقل والروح. أمَّا الحيوان، فلا يهفو إلَّا إلى ما يُروي غريزته. بل هو لا يفقه حتى في جماليَّات الجسد وأسرارها شيئًا. وكثيرٌ ما هُم، ولا سيما في ثقافة تشحن الغرائز -بآدابها وفنونها- بمتطلَّبات الحيوان من الحيوان لا الإنسان من الإنسان.
ذلكم، إذن، هو الفارق البيِّن، الذي يُصِرُّ على عدم فهمه بعض الكتَّاب -عجزًا، أو مكابرة، أو تجارة- بين كتاباتٍ استهلاكيَّةٍ غبيَّة، بلا امتدادٍ فكريٍّ، وكتاباتٍ تنظر إلى ما وراء المظاهر والممارسات من قِيَمٍ ودلالات.
* * * *
مرفأ:
لَئِنْ كَانَ لِلْكَوْنِ عَيْنَانِ: شَمْسٌ،
وعَيْنٌ، بِعَيْنِ اللُّغَاتِ: القَمَرْ
فعَيْناكِ شُهْبُ الكَوَاكِبِ، إِمَّا
تَرَانَا نَرَاهَا كحُلْمٍ عَبَرْ
ولكِنْ نَظَلُّ نَدُوْرُ نَدُوْرُ
كَمَا دَارَ جَفْنَاكِ حَوْلَ الحَوَرْ!
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى الأستاذ بجامعة الملِك سعود)