د.أمل بنت محمد التميمي
سأحكي لكم عن حقيبة بقيت في بيتنا سنوات طويلة، تحمل رائحة جدي عبدالواحد، وتحفظ بين أوراقها حكاية عشق قديمة. سأروي لكم حكاية شخصية من ذاكرة عائلية؛ حكاية حقيبة سفر أنيقة وفخمة، مصنوعة من القماش المقوّى بلون بيج جملي، تحيط بأطرافها وزواياها قطع من الجلد البني الداكن، ولها لسان يُغلق بحزام جلدي…
لا أعرف قصة هذه الحقيبة أو عمرها، ولكنها تشبه حقائب الأوروبيين الفخمة، ويبدو أن جدي اشتراها من بريطانيا. وكل ما أعرفه أن أبي كان يحتفظ بها بين مقتنياته بعد وفاة جدي عام 1400هـ، وظلت عنده تحمل أوراقًا وأشياء من زمن جدي. وفي عام 1418هـ، بعد وفاة أبي، زارنا عمي إبراهيم وعمي عبدالهادي، وطلبا الحقيبة من أمي. وحين فتحها عمي، فاحت منها رائحة جدي، رحمه الله؛ مزيج من الورد والعود، ورائحة تخصه وحده، لم أشم مثلها إلا فيه وفي مقتنياته.
أخذ عمي ما أراد من محتوياتها، ثم قال لي عمي إبراهيم:
«احتفظي بها، فأنتِ خير من يعرف قيمة ما فيها».
كنت يومها شابة صغيرة لم أتخرج في الجامعة، فأخذت الأوراق معي إلى المنطقة الشرقية، وحفظتها في مكان بارد، وكنت أعتني بها وأحافظ عليها بدافع حبي لأبي وجدي وأهلي. ولم أكن أعرف أن حقيبة جدي ستصبح في حوزتي، وأن الأوراق التي بقيت فيها ستقودني، بعد سنوات، إلى حكاية أقدم من جدي وأبي؛ حكاية رجل عاش العشق ووثّقه في قصيدة.
وبعد أن كبر الأحفاد، نقلت الأوراق إلى بيتي في المدينة؛ لأطلعهم عليها في اجتماع التميمي السنوي، وليعرفوا شيئًا مما بقي من أوراق جدهم. فشعرت الأوراق بالوحدة، وتألمت من حرارة طقس المدينة، وبدأت تشيخ وتشتكي من الوحدة، مثل أم عجوز تبكي لبُعد أبنائها عنها؛ فقررت أن أحملها معي إلى الرياض.
في آخر جمعة من أغسطس 2025م، جاء ابنُ ابنِ عمي، الطيار عبدالله بن معتز التميمي، إلى بيتنا في المدينة المنورة، عائدًا من الولايات المتحدة بعد تخرجه طيارًا. كان قد سمع منذ طفولته عن أوراق جدِّ والده التي حفظتها للعائلة، وجاء ليراها للمرة الأولى، ولم يكن أمامي سوى أيام قليلة قبل عودتي إلى الرياض.
بعد صلاة الجمعة، اجتمعنا على القهوة والتمر، ثم سرنا إلى المكتب. كان زوجي يصعد الدرج إلى جواره، ويحكي له قصة اللوحات التي تزيّن بيتنا؛ صور جدي عبدالواحد وأبنائه ورجال العائلة، وبرقياته ورسائله المتبادلة مع ملوك السعودية وقيادات الدولة. كانت اللوحات تحفظ تاريخ عائلتنا وجانبًا من تاريخ الدولة، وكان عبدالله يصغي إلى الحكايات وهو يصعد معنا، حتى بلغنا المكتب، حيث تنتظره أوراق جده.
فتحنا الحقيبة، وانفتحت معها سنوات من حياة جدي عبدالواحد؛ ملفات وأوراق ومكاتبات ورسائل، بعضها يحمل أسماء أصدقاء، وبعضها يحمل أسماء محلات وبنوك ومشايخ ووزراء ورجال دولة من زمن مضى. كانت بين الأوراق وثائق صغيرة تحفظ تفاصيل أيامه، وأخرى تحمل أخبار أعماله وعلاقاته وصداقاته، حتى خُيّل إليّ أن الحقيبة لم تكن تحفظ أوراق جدي وحده، بل تحفظ شيئًا من تاريخ السعودية التي عاش فيها.
أخذنا نقلّب الملفات واحدًا بعد آخر، وكانت كل ورقة تفتح بابًا على زمن لم نعشه، لكنه بقي مكتوبًا بخط اليد، ومختومًا ومؤرخًا ومحفوظًا في تلك الحقيبة الأنيقة الفخمة.
تجولت عينا عبدالله بين الصور والوثائق، وكأنه دخل بوابة إلى زمن خاص سكن وجدانه من خلال القصص والحكايات. شبّ عبدالله وهو يسمع من جده عبدالعزيز حكايات الشيخ عبدالواحد، وتوقّف أمام صورة حفظت زمنًا مضى. كانت صورة جدي عبدالواحد في رابغ، بين أبنائه وأحفاده، بعد عودتهم من الحج، وخلفهم الحافلة التي كانت تجمع العائلة في رحلاتها.
كان إطار الصورة يحفظ ذاكرة عائلة، وحين سقط عليه ضوء الشمس، توهّج وجه أبي، رحمه الله، بين الوجوه، كأن الضوء أعاده إلى لحظة من ذلك الزمن. كان أبي يعرف قيمة ما تحفظه الصورة؛ فكان يبذل جهدًا ومالًا، ويأخذ صور العائلة إلى مصر ليكبّرها ويرسم تفاصيلها عند أهم فنانيها آنذاك؛ ليحمي ذاكرة العائلة من النسيان والغياب.
فتحنا إحدى الحقائب، وكانت شمس عصر الجمعة تسير معنا، متسللة من نوافذ المكتب الكبيرة. تسلّل الضوء إلى بلورات النجفة، وتكسّر فوق الصور والأوراق. أخذنا نقلّب الأوراق بحذر؛ رسائل ومكاتبات ووثائق، وأسماء وأختام وتواريخ تعيدنا إلى زمن جدي الشيخ عبدالواحد.
كان عبدالله يلتقط الورقة، ويتأملها، ثم يعيدها إلى مكانها، حتى سحب ورقة كبيرة تختلف في مقاسها عن أوراقنا اليوم، شاحبة الأطراف، وقد انقسمت إلى نصفين من أثر حرارة المدينة.
قال وهو يقلّبها بين يديه:
«عند جدي عبدالعزيز مثلها، أذكر أنني رأيتها وأنا صغير».
قلت:
«هذه قصيدة جدنا العاشق عبدالرحمن المطوع».
رفع عينيه إليّ وقال:
«إيه، أعرفها. جدي عبدالعزيز كان يحكي لنا عنها».
قلت له:
«تصدق؟ أبي علّمني القراءة والتهجئة بهذه القص يدة منذ كنت في الروضة. كان يخرجها من أوراقه، ويطلب مني أن أقرأها، ويعيد عليّ الكلمات التي أتعثر فيها»:
يقول التميمي اللي عاش مترف
مدى العمر ماشي في زمان جاه
يا ركب يا للي من عقيل تقللوا
من نجد إلى ريف المريف مداه
كان عبدالرحمن في حكاياتنا أكثر من رجل مضى وانتهى؛ كان عاشقًا تمسّك بحبه وبالحياة التي أرادها، في زمن كانت العادات فيه أقوى من رغبات أصحابها. لذلك ظل حاضرًا في وجداننا، وكنا نرى في ثباته على حبه شجاعة تستحق أن تُروى، وفي قصيدته أثر رجل لم يستطع الفراق أن يمحو صوته.
انتبهت إلى نفسي وأنا أروي لعبدالله صورة ذلك العاشق، فابتسمنا معًا ونحن نقول:
«نحن ثمرة العشق».
كانت مناسبة القصيدة مكتوبة في أعلى الورقة بخط يد لا أعرف صاحبه. أعدنا قراءتها أنا وعبدالله، وكأننا نُؤجَر على كل قراءة؛ فأخذنا نعيدها ونكررها، مستشعرين لذة إعادة الكرّة.
ثم بدأت أحكي لعبدالله قصة يعرفها، مستعيدة ما بقي في ذاكرتي من حكايات أبي عن عبدالرحمن المطوع التميمي. وحاولنا أن نخمّن الزمن مستعينين باسم عبدالله كاملًا: عبدالله بن معتز بن عبدالعزيز بن عبدالواحد بن عبدالله بن عبدالرحمن المطوع التميمي؛ أي إن عبدالرحمن رجل عاش قبل نحو مئة وخمسين عامًا أو أكثر، وارتبط اسمه في رواية العائلة بعشق انتهى بالفراق، وظلت قصيدته تحفظ وجعه.
وحدثته عما كان أبي يقوله، وعن العم عبدالعزيز العبيدي الذي كان يحدث أبي عن قصة حاول أهلها طمرها في نجد، كأن العشق وما تركه وراءه أمر يستحق الستر.
قرأ عبدالله مطلع القصيدة، ثم أخذنا نردد أبياتها حتى بلغنا:
عضّيت روس أناملي بنواجذي
وقلت آه من حر المصيبة آه
لو أن في قول آه تبري علتي
كثّرت أنا في ضامري قول آه
قال عبدالله:
«لازم نروح لنقا المطوع».
قلت:
«نروح في الشتاء».
واتفقنا أن نذهب معًا إلى المكان الذي ارتبط اسمه بجدنا العاشق، ونترحم عليه هناك. وقال عبدالله مبتسمًا:
«نحلق بطائرة خاصة إلى نقا المطوع».
ابتسمت، وشعرت أن المكان الذي حفظ اسم عبدالرحمن ما زال يجمعنا به، وأن قصيدته جعلت المسافة بين زمنه وزمننا قصيرة. ولم أكن أعرف يومها أن الورقة التي حفظت وجعه طوال هذه السنين كانت هي الأخرى تقف على حافة النهاية.
انتهت إجازتي، وحملت الأوراق معي إلى الرياض. كنت أخشى أن تفقد القصيدة ما بقي من قوتها، ولم أكن أعرف إلى أين آخذها. وبعد أيام، وصلتني رسالة من أ.د. محمد بن عبدالعزيز الفيصل يدعوني إلى زيارة دارة الملك عبدالعزيز. لم أكن أعرف أن تلك الدعوة ستفتح للقصيدة طريقًا جديدًا.
كانت مصادفة، أو لعلها قدر كتبه الله لهذه الورقة؛ لتجد طريقًا آخر يخرجها من وطأة السنوات والحر، ويمنحها فرصة لتواصل البوح. فبعض الأوراق تشبه القلوب اليقظة؛ ينام الناس وتستيقظ هي، حاملة في داخلها كلامًا يريد أن يُقال.
وفي صباح الثلاثاء، دخلت الدارة بصحبته وبصحبة الأستاذ سهم بن ضاوي الدعجاني. استقبلنا الأستاذ عبدالرحمن العيسى، مدير المركز، مرحبًا بنا باسم المركز وباسم الأستاذ تركي الشويعر، نائب الأمين العام للدارة. ثم قاد جولتنا الأستاذ فهد منصور الخريجي، المدير الفني للمركز.
دخلنا المختبرات، وهناك رأيت ما لم أكن أتخيله. كانت أمامي وثائق ومخطوطات أنهكها الزمن، لكنها لم تكن متروكة لمصيرها؛ فلكل ورقة تشخيصها، ولكل تلف طريقة في العلاج. رأيت الألياف الورقية والمحاليل المناسبة، ورأيت كيف تُواجَه الحشرات والجراثيم التي تهدد ما بقي من الوثائق.
ثم توقفت أمام الأستاذ خضر الصومالي، وكان منهمكًا في ترميم مخطوطة قديمة تحت ضوء أبيض، وبين يديه أدوات دقيقة ومشرط وعدسات مكبرة. تابعت يديه وهما تتعاملان مع الورق بحذر شديد، وفهمت أن الترميم ليس إصلاحًا لورقة تالفة فحسب؛ إنه محاولة لإنقاذ ما تحمله من ذاكرة.
يومها فكرت في قصيدتي. كانت قد قطعت طريقًا طويلًا؛ من يد لا أعرف صاحبها إلى جدي عبدالواحد، ثم إلى أبي، ثم استقرت في حقيبة بقيت سنوات في بيتنا، حتى وصلت إليّ منقسمة من حرارة المدينة. وها هي الآن تقف أمام احتمال آخر: أن تستعيد عافيتها، وأن يبقى صوت عبدالرحمن محفوظًا فيها.
خرجت من الدارة وأنا أفكر في الورقة بطريقة مختلفة. لم تعد بالنسبة إليّ مجرد قصيدة قديمة؛ بل كانت أثرًا إنسانيًّا قاوم الزمن، ووجد أخيرًا من يعرف كيف يحميه.
مضت القصيدة من يد إلى يد، ومن مجلس إلى مجلس، حتى خرجت من حقيبة العائلة إلى الندوة، ثم إلى الصحف والبودكاست، وعاد اسم عبدالرحمن يُروى من جديد.
كنت أتساءل: ماذا لو عرف عبدالرحمن أن قصته، التي أرادت العادات أن تطمرها في نجد، بقيت حية طوال هذه السنين؟
حفظت الحقيبة حكاية عبدالرحمن سنوات طويلة، وحين أعاد مركز الترميم والمحافظة على المواد التاريخية في دارة الملك عبدالعزيز الورقة إلى الحياة، استعادت عافي تها، وأصبحت في مأمن من التلف، قادرة على أن تواصل رواية الحكاية.
مضت القصيدة من يد إلى يد، ومن زمن إلى زمن، حتى خرجت من حقيبة العائلة إلى الندوات، ثم إلى الصحف والبودكاست، وعاد اسم عبدالرحمن يُروى من جديد، بعد أكثر من مئة وخمسين عامًا على قصيدة بدأت ببيت يقول:
يقول التميمي اللي عاش مترف…
ألا أخبركم بشيء؟
آمنتُ أن الحب أكبر من كل قيد؛ فالعشق الذي قتل عبدالرحمن في زمنه هو نفسه الذي حفظه لنا في زمننا.
** **
- جامعة الملك سعود.