سارة المطيري
حين عزمتُ على الكتابة في هذه السلسلة، كانت الفكرة تلحّ عليّ؛ رغبةً في بثّها ومناقشتها، والوقوف على بعض ما آل إليه المشهد الثقافي، وما طرأ على صورة الناقد ووظيفته.
فقد غدت كلمة «ناقد» في بعض السياقات متكأً لكل من ضاق برأيٍ مخالف، وهنا يحق لنا أن نسأل: أيُّ انقلابٍ أصاب مفهوم النقد حتى أمسى مجرد اتخاذ موقف من هذا أو ذاك؟ لقد انحسر من دلالته شيءٌ حتى كدنا نغفل أنه فعلٌ معرفي رفيع، قوامه الفحص والموازنة وإعمال النظر.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يبدو الحديث عن أخلاقيات الممارسة النقدية حديثًا مهمًّا؛ وفي مقدمتها: العدل في التناول، والشجاعة في إعلان النتيجة، والاستقلال في تكوينها.
ولعل أدقّ ما يواجه المشتغل بهذا الحقل مسألة العدل؛ إذ لا يستقيم التقييم ما لم يُمنح المقروء ومبدعه قدرًا من الإنصاف يليق بمقامهما.
ويقتضي ذلك أن تُفهم العبارات في سياقها وبنيتها الدلالية؛ فالمعنى لا يستقر في جملة منفردة، وإنما يتشكل من صلتها بما قبلها وما بعدها، ومن النظام الذي تنتظم فيه.
ويمتد هذا الإنصاف إلى المبدع نفسه؛ فلا يُفترض أن تكون عباراته ألفاظًا متناثرة يُطلب منها أن تؤدي معنى كيفما اتفق؛ إذ يتشكل المعنى في ذهنه أولًا، ثم يبحث له عن صورته اللغوية.
كما أن من وظيفة الناقد أن يوسّع أفق المتلقي، فيعينه على رؤية ما قد لا يراه ابتداءً، ويكشف له عن جماليات العمل ومواطن قوته، بدل أن يصادر حقه في التلقي.
غير أن العدل وحده لا يكفي؛ فقد يصل المرء إلى نتيجة يراها صائبة، ثم يتردد في إعلانها خشيةَ صاحبِ مكانة، أو مجاراةً لذائقة سائدة، أو اتقاءً لردود الفعل. وهنا تبرز فضيلة أخرى: الشجاعة.
ولا أقصد بها شجاعة المخالفة لمجرد المخالفة، بل القدرة على الوقوف عند ما أفضى إليه الفحص، ولو لم يوافق هوى الجماعة. وهنا ينبغي الحذر من وهم شائع: فقد ينتقل المرء من تبعية إلى أخرى وهو يظن أنه تحرر منها؛ فيعارض ما اعتاده الناس، لا لأنه فحصه ونقضه، بل لأن المعارضة نفسها أصبحت موقفه الجاهز.
ومن هنا يتصل الأمر بالاستقلال الفكري؛ فالاستقلال لا يقتضي القطيعة مع ما قاله النقاد السابقون. جوهره أن يمتلك الناقد نظرًا يمكّنه من فحص الآراء الموروثة وتكوين موقفه بعد النظر، لا أن يستعير حكمًا جاهزًا ثم يبحث له عن مسوّغ.
وتتضح هذه المسألة في قراءة الشعر العربي القديم مثلًا؛ فقد يرفض ناقدٌ بيتًا للمتنبي لأنه لا يوافق قاعدةً استقرت عند البلاغيين، فيحسب أنه مارس استقلالًا في الرأي، مع أنه لم يفعل أكثر من تطبيق قاعدة جاهزة، دون أن يسأل عن مدى صلاحيتها لذلك البيت، أو عن خصوصية سياقه، أو عن إمكان أن يدعو هذا الاستثناء إلى إعادة النظر في القاعدة نفسها.
وقد يحدث العكس تمامًا: يوافق ناقدٌ حكمًا قال به القدماء، لكنه يصل إليه بعد فحصٍ خاص، ويعيد بناء حجته وفق ما يراه في العمل؛ فيكون موافقًا لهم ومستقلًا عنهم في الوقت نفسه.
ما أكتبه هنا ليس محاولةً لرسم صورة الناقد الكامل، فهو حديثٌ عن بعض الأخلاقيات التي أراها لازمةً لنزاهة الممارسة النقدية. ومع ذلك، فهذه القيم، مهما استقامت، لا تُغني عن المعرفة.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل يكفي ذلك؟ أم أن الناقد يحتاج إلى عُدّةٍ معرفية وجمالية تتيح له أن يمارس هذه القيم ممارسةً واعية؟ ذلك ما أتركه للمقال القادم، بإذن الله.