خالد محمد الدوس
يُعد عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا البريطاني-الأسترالي ( جون أروندل بارنز) شخصية محورية في تاريخ العلوم الاجتماعية في القرن العشرين، بعد أن ترك إرثًا فكريًا يمتد لخمسة عقود من البحث والتأليف والتدريس في أعرق الجامعات العالمية. يُعرف بارنز على نطاق واسع كأول من أدخل مفهوم «الشبكات الاجتماعية» إلى التحليل العلمي في العلوم الاجتماعية، وهو إسهام غيّر مسار البحث الأنثروبولوجي والاجتماعي لاحقًا.
وُلد جون أروندل بارنز عام 1918 في مدينة ريدينغ بمقاطعة بيركشاير الإنجليزية، لعائلة وصفها لاحقًا بأنها تنتمي إلى «شبكة قرابة من الطبقة العاملة الدنيا». على الرغم من خلفيته الاجتماعية المتواضعة، تمكن بارنز من التفوق دراسيًا بفضل المنح التي حصل عليها، فالتحق بمدرسة كريست هوسبتال في ساسكس، ثم بكلية سانت جونز بجامعة كامبريدج.
في عام 1939، تخرج بارنز من كامبريدج حاصلاً على شهادة في الرياضيات والأنثروبولوجيا، وهو مزيج أكاديمي فريد من نوعه سيكون له أثر كبير في منهجه التحليلي اللاحق، حيث وظف أدواته الرياضية في فهم النظم الاجتماعية المعقدة.
وبعد الحرب العالمية، بدأ بارنز مسيرته الأكاديمية الجادة بالالتحاق بمعهد رودس-ليفينغستون في شمال روديسيا (زامبيا حاليًا)، حيث تأثر بشكل كبير بعالِم الأنثروبولوجيا الشهير ماكس غلاكمان ، رائد «مدرسة مانشستر» في الأنثروبولوجيا الاجتماعية. من خلال هذا الانتماء الفكري، تبنى بارنز منهجًا تحليليًا يركز على الصراع والتغيير الاجتماعي، والنزاعات والتحالفات، بعيدًا عن النماذج البنيوية الوظيفية السائدة آنذاك.
ثم أجرى ابحاثا انثروبولوجية واجتماعية في بعض الدول الافريقية ، ثم انتقل بارنز لإجراء دراسة ميدانية استمرت عامين في مجتمع الصيد والزراعة في جزيرة بريمنيس غرب النرويج. هذه التجربة الميدانية في مجتمع صناعي أوروبي كانت نقطة تحول في مسيرته الفكرية.
ما اكتشفه بارنز في النرويج كان أكثر تعقيدًا: تشابكًا معقدًا من العلاقات الاجتماعية التي لا يمكن اختزالها في جماعات محددة بوضوح. هذه العلاقات كانت تتشابك فيها علاقات العمل والقرابة والصداقة في شبكة واحدة متداخلة.
في هذا السياق، أقترح.. استخدام مفهوم الشبكة الاجتماعية لوصف وتحليل أنظمة العلاقات التي لا تندرج بالضرورة في مجموعات محددة أو واضحة المعالم. بهذا الإجراء، يكون بارنز قد ابتكر مفهومًا أصبح اليوم أساسيًا في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلوم الحاسوب وتحليل وسائل التواصل الاجتماعي.
إلى جانب مفهوم الشبكات، لاحظ بارنز في دراسته النرويجية نمطًا فريدًا من القيادة واتخاذ القرارات، أسماه «القيادة من الخلف»، شبهه بدوق بلازا تورو الذي «كان يقود جيشه من الخلف لأنه وجد ذلك أقل إرهاقًا». هذا المفهوم يعكس فهمًا دقيقًا لديناميكيات السلطة غير الرسمية في المجتمعات المحلية.
شغل عددًا من المناصب الأكاديمية المرموقة خلال مسيرته الطويلة.. وأبرزها أستاذ علم الاجتماع جامعة كامبريدج، وأستاذ فخري (حتى وفاته) كلية تشرشل، كامبريدج، كما عمل عضو هيئة تدريس في الأنثروبولوجيا الاجتماعية جامعة سيدني والجامعة الوطنية الأسترالية، ثم عمل كباحث شهير في كلية لندن الجامعية، كلية باليول (أكسفورد)، كلية سانت جونز (كامبريدج)، كما انتُخب بارنز زميلاً في الأكاديمية البريطانية، وعضوًا في أكاديمية العلوم الاجتماعية في أستراليا.
وفي سياق الإنتاج الفكري والتأليف للعالم الراحل فقد ألف (بارنز) سبعة كتب، ونشر حوالي مئتي فصل ومقالة على مدى خمسة عقود زمنية. وتبعا لذلك حظي العالم الراحل.. بتقدير كبير من المجتمع الأكاديمي، ونال العديد من الأوسمة والجوائز.
ويُعتبر هذا العالم الفذ.. أحد الآباء المؤسسين لتحليل الشبكات الاجتماعية، إلى جانب علماء آخرين طوروا هذا المفهوم لاحقًا .ما يميز (بارنز) هو قدرته على التحرك بين مجالات بحثية تبدو متباعدة: من نظم القرابة في أفريقيا، إلى السياسات المحلية في غينيا الجديدة، إلى المجتمعات الصناعية في أوروبا، وصولاً إلى قضايا الفلسفة والأخلاقيات. هذا التنوع لم يكن عشوائيًا، بل يعكس رؤية موحدة للعلوم الاجتماعية باعتبارها بناء نماذج لفهم الواقع الاجتماعي، وليس البحث عن قوانين اجتماعية ثابتة.
كان عالمًا متعدد المواهب، جمع بين التدريب الرياضي والحساسية الأنثروبولوجية، بين العمل الميداني في القرى الأفريقية والجزر النرويجية، وبين التحليل البنيوي التقليدي والابتكار المنهجي الجريء. إرثه الأكثر ديمومة - مفهوم الشبكات الاجتماعية - أصبح أداة لا غنى عنها في فهم العالم الاجتماعي المعاصر، من العلاقات الشخصية إلى العولمة الرقمية.
وبعد وفاته عام 2010عن عمر يناهز 92، ترك (بارنز) خلفه نموذجًا للعالم الانثروبولوجي الاجتماعي الموسوعي، القادر على رؤية الأنماط المخفية في تشابكات العلاقات الإنسانية اليومية، وتحويل تلك الرؤى إلى أدوات منهجية غيرت وجه العلوم الاجتماعية.