عبدالله العولقي
خلال القرون الأربعة الماضية، حقق الغرب قفزات نوعية في التقدم والازدهار، وحلّق بعيدًا عن الشرق. وقد امتدت تلك الانطلاقة الفارقة إلى مختلف المجالات والأصعدة: عسكريًا واقتصاديًا وتقنيًا وثقافيًا. وخلقت هذه الفروق النوعية أجواءً من التنافس بين القوى الأوروبية للسيطرة على العالم، حتى بلغت تلك الصراعات ذروتها باندلاع الحربين العالميتين في القرن الماضي. وخلال مرحلة التنافس الدولي، نشأت إشكالية الاستعمار التي عانت منها شعوب كثيرة، ولا سيما أنها خلقت احتقانًا قوميًّا، وخلّفت أوضاعًا معيشية عسيرة في البلدان المستعمَرة.
تشكّل هذه المقدمة الموجزة مدخلًا إلى حكاية «موسم الهجرة إلى الشمال»، الرواية العربية الشهيرة التي كتبها الأديب السوداني الراحل الطيب صالح (1929م-2008م). وقد غدت هذه الرواية أيقونة أدبية متميزة، ووصلت إلى قوائم عالمية لأبرز الروايات، ونجحت في لفت الانتباه إلى آثار الاستعمار، وإلى الكيفية التي تنظر بها الشعوب المستعمَرة إلى المستعمِر.
ولهذا احتلت الرواية مكانًا مهمًا في اهتمام المفكر إدوارد سعيد في كتابه الشهير «الثقافة والإمبريالية». وكان الطيب صالح فخورًا بهذا الاهتمام، إذ قال: «لقد خصّني، بل شرّفني إدوارد سعيد بحيّز وافر من كتابه العظيم (الثقافة والإمبريالية)، وأرجو أن أكون عند حسن ظنه وإعجابه». ولو بحثنا عن سر اهتمام إدوارد سعيد بهذه الرواية تحديدًا، لوجدنا أنه يكمن في التقاطعات الفكرية بين الكاتبين تجاه مسألة العلاقة بين الشرق والغرب، ولا سيما تلك العلاقة المتوترة إبان مرحلة الاستعمار.
ويرى إدوارد سعيد أن «موسم الهجرة إلى الشمال» تمثل أنموذجًا بارزًا للرد على خطاب الاستعمار. ويشير الأستاذ محمد شاهين إلى أن سعيد كان يعتقد أن خير رد على الخطاب الاستعماري هو خطاب موازٍ يستطيع النفاذ إلى ذلك الخطاب ومواجهته من داخله.
وُلد الطيب محمد صالح أحمد عام 1929م في قرية كرمكول شمال السودان، ونشأ في بيئة زراعية ظلت حاضرة في وجدانه وأدبه. يقول: «كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة، أراها بعين خيالي أينما التفت، أتذكرها كلما هطل المطر، وكأنني أشم روائح الحقول في تلك القرية البعيدة».
وفي بداية شبابه، هاجر إلى بريطانيا للدراسة، ثم عمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية «BBC». ولهذا رأى بعض النقاد أوجه شبه بينه وبين بطل روايته مصطفى سعيد، وإن كان اختزال الشخصية الروائية في سيرة مؤلفها يظل أمرًا قابلًا للنقاش.
كان الشاب السوداني الطموح يتوقع أن يكمل دراسته ثم يحمل حقائبه عائدًا إلى وطنه، غير أن سنوات اغترابه امتدت طويلًا، ولم تكن عودته الأخيرة إلى السودان إلا بعد وفاته، حين ووري الثرى في وطنه. وعلى الرغم من زياراته المتكررة للسودان، ظل جزء كبير من حياته مرتبطًا بلندن وعمله خارج بلاده. وقد عبّر عن قسوة تجربة الاغتراب في بدايتها بقوله إنه جاء إلى بلد لم يكن يرغب فيه، وترك الأهل والأحباب والدور الفسيحة والتواصل الاجتماعي، ليجد نفسه في غرفة صغيرة شديدة البرودة، في بلد غريب وبين قوم غرباء.
تزوّج الطيب صالح السيدة جولي، وهي اسكتلندية، ورُزق منها ثلاث بنات: زينب وسارة وسميرة. وعاش حياته ببساطة وتواضع لافتين، حتى إنه كان يقول: «أنا لست كاتبًا، قصيدة واحدة من قصائد المتنبي أفضل من كل ما كتبت!».
هكذا عرفه الناس والمقرّبون منه: رجلًا هادئًا، متواضعًا، غير آبه بالشهرة، بعيدًا عن العلو والعجرفة، وتنتابه مشاعر الخجل في لقاءاته بالناس. وكان يقول إنه كلما اعتقد أنه أصبح شيئًا، تذكّر الناس البسطاء الذين جاء منهم، وتذكّر عمه الذي قال له ذات يوم بلهجته العامية: «إيه الدوشة دي؟»، قاصدًا الصخب الإعلامي الذي رافق رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال».
وللقارئ أن يتخيل كيف كان يمكن لكاتب آخر يحمل لقب «عبقري الرواية العربية» أن يتعامل مع الأضواء والإعلام! أما الطيب صالح فقد آثر الابتعاد عن صخب النجومية، وظل غارقًا في البساطة والتواضع، جامعًا بين الموهبة الأدبية والأخلاق الرفيعة.
رحلة معاكسة للاستعمار
أما رائعته «موسم الهجرة إلى الشمال»، فهي حكاية فكرية تعكس المفارقة الثقافية بين الشرق والغرب، وتتناول، على نحو خاص، الآثار النفسية والذهنية التي خلّفها الاستعمار. إنها رحلة هجرة من الجنوب الفقير المستعمَر إلى الشمال الغني المستعمِر؛ أي إنها رحلة معاكسة لطريق الاستعمار المألوف، تكشف صورة من صور الصراع الثقافي في تلك الحقبة.
ولهذا يقول مصطفى سعيد، بطل الرواية، للأوروبيين: «لقد جئتكم غازيًا». فهو يدخل الغرب محمّلًا بذاكرة الاستعمار وعقدة المواجهة معه، وتتحول علاقاته بالنساء الإنجليزيات في الرواية إلى جزء من هذا الصراع النفسي والثقافي، وكأن الشخصية تسعى إلى قلب علاقة القوة بين المستعمِر والمستعمَر. ومن هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها تصويرًا أدبيًا معقدًا للفعل الاستعماري وردود الفعل التي خلّفها في نفوس ضحاياه.
ولم تنل الرواية شهرتها العربية الواسعة إلا بعدما وقعت نسخة منها في يد الناقد الراحل رجاء النقاش، الذي سأل عن مؤلفها، فقيل له إنه شاب سوداني مثقف يُدعى الطيب صالح. أُعجب النقاش بموهبته الروائية وقدرته الفنية على بناء الحبكة، فكتب عنه مقالًا نقديًا لفت أنظار القراء والمثقفين إلى هذه الموهبة القادمة من شمال السودان إلى فضاء الثقافة العربية.
ولم تكن «موسم الهجرة إلى الشمال» أول عمل عربي يتناول علاقة الشرق بالغرب؛ فقد سبقها توفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، ويحيى حقي في «قنديل أم هاشم». غير أن معالجة الطيب صالح اتخذت مسارًا أكثر حدة وتعقيدًا؛ إذ عاد مصطفى سعيد مثخنًا بجراح التجربة ومثقلًا بأعباء المواجهة.
وتصل ذروة الصراع الثقافي بين الشرق والغرب إلى مستويات عميقة في الحوارات التي يخوضها مصطفى سعيد مع شخصيات المجتمع البريطاني، حيث تكشف الرواية عن المفارقة بين الخطاب الاستعماري الذي يزعم «تمدين» الآخر وبين ما يتركه الاستعمار نفسه من جروح واضطرابات في الإنسان المستعمَر.
رواية واحدة قد تصنع مجدًا
لم يكن الطيب صالح غزير الإنتاج الروائي؛ فأعماله محدودة قياسًا إلى كثير من الروائيين. وقد حاول بعض النقاد النيل من تجربته، ورأوا أنه لا يستحق لقب الروائي بسبب قلة إنتاجه. غير أن هذه النظرة تتجاهل أن القيمة الأدبية لا تقاس بعدد الكتب، وأن رواية عظيمة واحدة قد تغني عن عشرات الروايات التي لا تترك أثرًا يُذكر.
وبرز هذا الجدل عندما رُشّح الطيب صالح لإحدى الجوائز الأدبية في القاهرة، فانقسمت الآراء بين مؤيد لترشيحه ومعارض يرى أن إنتاجه المحدود لا يكفي لمنحه الجائزة. غير أن الرأي الذي انتصر في النهاية هو أن عبقرية الطيب صالح وقيمة منجزه الأدبي كافيتان للاحتفاء به وتكريمه.
والأدب العالمي حافل بأسماء كتّاب ارتبط مجدهم الروائي بعمل واحد أو بعدد محدود جدًا من الأعمال. فمارغريت ميتشل خلدت اسمها بروايتها «ذهب مع الريح»، وأوسكار وايلد لم يكتب في فن الرواية سوى «صورة دوريان غراي»، وإميلي برونتي لم تترك سوى روايتها الشهيرة «مرتفعات وذرينغ».
وحتى حين يكون الكاتب غزير الإنتاج، قد يرتبط اسمه عالميًا بعمل واحد يتجاوز بقية أعماله شهرة وتأثيرًا. فالكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز خلّف إنتاجًا إبداعيًا كبيرًا، لكن «مئة عام من العزلة» ظلت أشهر أعماله وأكثرها حضورًا عالميًا. وفي تراثنا العربي، كتب ابن خلدون تاريخه الضخم، غير أن «المقدمة» التي صدّر بها ذلك التاريخ استقلت بشهرتها وأصبحت من أبرز منجزات الفكر الإنساني.
وقد تُرجمت «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى لغات عديدة، وأوصلت اسم الطيب صالح إلى قراء في أنحاء مختلفة من العالم. وعندما سُئل ذات مرة: لماذا لم تكتب رواية أخرى في مستوى «موسم الهجرة إلى الشمال»؟ أجاب بما معناه أنه كان حريصًا على أن يكون له بيت في مدينة الأدب، وقد تحقق له ذلك؛ فقد يكون بيت الأديب صغيرًا، لكنه من الألماس. ولا عيب أن يكون للكاتب في حياته عمل واحد فحسب، ما دام عملًا متميزًا خالدًا.
وطن يسكن الذاكرة
عاش الطيب صالح معظم سنوات حياته بعيدًا عن وطنه السودان، لكن بلاده ظلت حية وارفة في وجدانه حتى آخر لحظة من حياته. وكان يقول: «نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى والثراء، كأنني نغمة من دقات قلب الكون».
وحاول بعض النقاد الربط بين شخصية الطيب صالح وبطله مصطفى سعيد، بينما رأى آخرون أن بطله يحمل شيئًا من شخصيته وشيئًا من خيال القاص الذي بداخله. وتعددت القراءات وتباينت الآراء، كما هو شأن الأعمال الأدبية الكبرى التي لا تستنفدها قراءة واحدة.
أما الروائي السوداني الكبير، فقد آثر الصمت والانزواء بعيدًا عن مواطن الخصام والجدال، ولسان حاله يردد بيت شاعره المفضل، المتنبي:
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردها
ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ