عبدالمحسن بن علي المطلق
كأن من بين مستلزمات الخصوصية التي حظي بها الشاعر عند أميره الحمداني أن يشاركه مصابه بأمه(1)، فقد قيل في صدر بيت:
صديقي من يشاركني همومي..(1)
فيواسيه في الفقد، ليخبره أنه مشاطر حزنه، ومحاول -بأبيات- التخفيف عنه، بل من ناحية أكبر، هي فرصة أن يتخذ من القصيدة جسرًا إلى قلبه في هذا الظرف الثقيل، وكذا هي بمثابة تعريف بقدراته، بخاصة ما أبدع به في هذين البيتين:
ولو كان النساء كمن فقدنا
لفُضِّلت النساء على الرجال
ثم يُطرق معتذرًا:
فما التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال
يقصد أن مدلولات الأشياء لا يلزم منها سمو شيء على آخر، فتركهما عالقين في ذاكرة الأجيال(2).
وهذا المدى الذي ذهب إليه؛ لأنه -كما تقدم- حديث عهد بالقصر، وبعدُ لم يتعرّف إلى هذه الأم، أو ينله منها ما يُحسب من يدٍ لها عليه، على أنه لم يقصّر، إذ أثنى:
على المصونة قبل الموت خدرًا
وبعد الموت في كرم الخلال
هنا أتأمل -ويا للمفارقة- حالته يوم توفيت أخته، كيف وقد وقع البين، وشُعب زجاج صفاء علاقة امتدت لتسعة أعوام، إلا أنه بقي حافظًا لها العهد، الذي أوجز به دواعي رثائه لها:
ولا ذكرت جميلًا من صنائعها
أي أن هناك أكثر من موقف، وذلك لما لها من أيادٍ، وهو أقرّ حين قال:
ولا ذكرت جميلًا من صنائعها
إلا بكيت.. ولا ودٌّ بلا سبب
أكيد يعني تلك «الصنائع»، بل أزيدكم أن هناك من استنتج علائق حب خفية! -د. محمود شاكر، رحمه الله-.
وهنا أختم بما ختم به رثاءه لوالدة سيف الدولة، موجهًا المعنى إليه حصرًا:
وإن تفق الأنام وأنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال
وهو معنى لعله استشفه من النابغة.
وبهذه الخاتمة أُلحق بالآتي:
لافتة
زعم صاحب كتاب «سرقات المتنبي» أن من بين دلالات حكمه ما أخذه من الشاعر فلان، وتلك من آخر..! ليكن دعواه صحيحة -على سبيل الفرض-، ففضلًا عن أن المعاني مطروحة في الطريق، ألا يكفي الشاعر أنه ألبسها من بهاء الحلل، حين أحسن البناء وأجاد السبك، إلى درجة أن نسي من حوله، بل وكل من بعده، النشأة الأصلية للمعنى، ونسبوه إلى ديوانه؟
وهنا أجدني -ليس عاطفةً للمتنبي، لكن إحقاقًا للحق- أتساءل: لِمَ يتجاوز بعضهم حين يضع عنوانًا لافتًا وطرحًا فضفاضًا، فيما الموضوع هو «وقع حافر على حافر»؟ فالحِكم من المطروحات في طريق ثقافتنا، ويمكن لأي ممن أُلهم فنًا في الصياغة أن يرجح بيته على سابقه، حين يكون تداوله أكثر؛ لأنه أُنشئ من ذلك السهل الممتنع.
ولا تخفى حادثة بشار، وهنا نستشف من جملته: «لقد أخفق بيتي، وطار بيته»، يوم التقط تلميذه سلم الخاسر المعنى، فتممه بـ«وفاز باللذات الجسور»(3).
نعم، هو ثقيل عليه أن يسلب أحدٌ بنات فكره، بخاصة أنه ليس من السهولة ابتلاع هذه؛ فالفرزدق ماثل في قوله: «لخلع ضرس عندي أهون من إنشاء بيت»، ثم وأدها في رابعة النهار!
ولو قال بشيء من الإنصاف(4): ما توافق به أبو الطيب أو حاكى مثلًا، لكان لعطائه سياق تسويغ أكبر.
وهو كتاب «الإبانة عن سرقات المتنبي لفظًا ومعنى» لأبي سعد العميدي (توفي 433هـ)، وهو من أوفى الكتب وأشملها التي رصدت الألفاظ والمعاني التي قيل(5) إن أبا الطيب المتنبي أخذها من شعراء سابقين عليه.
كذلك لا نقبل ممن قال -مبالغًا-: «هجر الناس الشعراء بعد المتنبي، واكتفوا بديوانه»!
**__**__**__**__**__**
(1) ففي حقب توالت بعد عهد أبي الطيب، كثيرون استشهدوا بهما، وإلى عصرنا هذا لا تكاد تجد مادة رثاء لإحدى الوقورات إلا وشخص لك هذان البيتان.
(2) وتمامه:
ويرمي بالعداوة من رماني
وللعلم، هذا مما لا تصح به الصحبة؛ لأن صديقك -بحق- من يصدقك النصح، لا من يصدّقك على أي حال أنت عليها..!
هذا، وتجد بالمناسبة في موروثنا أبياتًا شطرها رفيع وشطرها وضيع! أو أولها خامل وآخرها محلّق، مثل قول مجنون ليلى -بني عامر-:
ألا أيها النُّوّام ويحكم هبّوا
أسائلكم: هل يقتل الرجلَ الحبُّ؟
(3) عند أهل التحقيق هذه لفظة «قيل»، وهي للتمريض.
(4) يوم قال:
من راقب الناس لم تُقضَ حاجته
وفاز بها اللاهج الجسر
فقام سلم بتغيير العجز فقط، فقال بشار عندها: «طار بيته ورب الكعبة»..!
(5) رحم الله شيخ الحديث؛ لم يكن يقول: فلان كذاب، بل «متروك».
هذا وهو يتحدث عن ثاني مصادر ديننا، الحديث النبوي، لا عن علم، ولا عن أدب أيضًا.