ناصر المحيّاني
وسط آخر تطورات الأحداث في المنطقة وما تعرضت له المملكة مؤخراً من اعتداءات عدوانية آثمة، ورفضها القاطع للنهج العدواني والسلوك الإجرامي الذي دأبت عليه الميليشيا المتطرفة في تهديد الأمن والاستقرار، واستهداف حرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، لم تعد تلك الهجمات تقرأ قانونياً باعتبارها مجرد امتداد لنزاعات داخلية، متى تجاوزت آثارها الحدود الدولية إلى المدن والمنشآت المدنية داخل إقليم دولة ذات سيادة.
وتأسيساً على ذلك، نطرح سؤالاً أكثر عمقاً من الأسئلة التقليدية، حول حق دولة تتعرض لمثل هذه الأحداث طبقاً للمواثيق الدولية: هل هناك ما يجيز لجماعة متطرفة أن تجعل من إقليم دولة أخرى ومرافقها المدنية والاقتصادية والعسكرية مسرحاً لاستخدام القوة دون أن ينشأ للدولة المستهدفة حق قانوني أصيل في حماية أراضيها وفق مفهوم السيادة؟
إن القانون الدولي يميل بوضوح إلى كفة النفي القاطع في هذا الإطار، حيث إن الاعتداء المسلح لا يفقد صفته الدولية بمجرد أن منفذه جماعة غير حكومية، كما أن ميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، ويقر في الوقت ذاته بحق الدولة في الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم مسلح، وهو ما نصت عليه صراحة في المادة (51) من الميثاق، فالعبرة هنا ليست فقط بهوية طرف مطلق السلاح، بل بطبيعة الفعل وآثاره ومكان وقوعه، فعندما تطلق طائرات مسيرة أو صواريخ من خارج الحدود باتجاه مدن ومنشآت، فإن الفعل في ذاته يمثل استخداماً للقوة المسلحة ضد دولة أخرى، بغض النظر عن ماهية التوصيف السياسي الذي تمنحه تلك الجماعة المسلحة لنفسها، وبالتالي يكون انتقال القوة المسلحة من دولة إلى أخرى، تحول جوهري للمسألة من نزاع داخل دولة إلى اعتداء عابر للحدود يمس سلامة الإقليم للدولة المستهدفة.
كما أن أي استهداف للمنشآت الاقتصادية ليس مجرد اعتداء اقتصادي، وإنما يمثل جزءاً من القدرة الوظيفية للدولة على ممارسة سيادتها في المحافظة على اقتصادها وتوفير احتياجات السكان وحماية أمنها الوطني، ولاسيما أن الدول الحديثة لا تنظر إلى الطاقة والموانئ والمنشآت الصناعية والمطارات وشبكات الإمداد على أنها أصول مالية فحسب، بل مجموعة مترابطة لا ينفصل أي منها عن سيادة الدولة، مما يجعل الاستهداف الذي وقع جنوب المملكة أخيراً أمراً لا ينبغي اختزاله في قيمة الخسائر المادية فقط.
إن مسألة السماح لجماعة مسلحة باستخدام القوة لضرب مدن ومنشآت دولة أخرى دون رد قانوني من الدولة المستهدفة، يؤدي في المقابل – عملياً – إلى إهدار مبدأ سيادة الدول، ويفقد نظام الأمن الجماعي الذي أنشأه ميثاق الأمم المتحدة جزءاً أساسياً من وظيفته، وبالتالي فإن دفاع المملكة لا ينبغي اعتباره موقفاً سعودياً فقط، بل تطبيق لمبدأ أشمل وهو: عدم الجواز لجماعة مسلحة أن تستبدل قواعد العلاقات بين الدول بمنطق القوة العابرة للحدود.
نستخلص من ذلك أن مسألة الدفاع جنوب المملكة هي دفاع عن قاعدة دولية واسعة وهي: لا يجوز تحويل إقليم دولة إلى مجال مفتوح للاستخدام المتكرر للقوة المسلحة من جماعة غير حكومية بصرف النظر عن توصيفها السياسي.