هناك لحظات يشعر فيها الكاتب أن فكرته غادرت الورق.
ليس لأنها نُقلت حرفيًا، ولا لأن اسمها تكرر في قرار رسمي، وإنما لأن السؤال الذي طرحه في وقت سابق أصبح جزءًا من اتجاه مؤسسي جديد.
في مقالي المنشور بعنوان «اختيار رئيس الجامعة.. القرار الذي يصنع ألف قرار» لم تكن القضية بالنسبة لي البحث عن اسم يصلح لرئاسة جامعة، بقدر ما كانت محاولة لإعادة تعريف كيف ينبغي أن نختار من يقود الجامعة أصلًا.
طرحتُ فكرة أن رئيس الجامعة لا ينبغي أن يُختار باعتباره مجرد صاحب سجل أكاديمي متميز أو صاحب خبرة إدارية، فهذه المعايير، على أهميتها، لا تجيب عن السؤال الأصعب:
هل يستطيع هذا الشخص أن يقود جامعة؟
فالجامعة مؤسسة معقدة؛ فيها أكاديميون وطلاب وباحثون وموارد وميزانيات وتشريعات وشراكات دولية ومنافسة متصاعدة، ويحتاج رئيسها إلى اتخاذ قرارات استراتيجية تحت ضغط، وإدارة الأزمات، وقيادة التغيير، وبناء الفرق، وقراءة المستقبل، وتحويل الرؤية إلى أداء قابل للقياس.
ومن هنا جاءت الفكرة التي دعوت إليها: أن يتحول اختيار القيادات الجامعية من قرار يعتمد على المفاضلة التقليدية بين السير الذاتية إلى منظومة مؤسسية متخصصة في التقييم والاختيار والتأهيل والتطوير.
وقد اقترحت في المقال إنشاء مركز متخصص لتقييم القيادات الأكاديمية، وأشرت إلى نموذج المركز السعودي لتقييم القيادات الأكاديمية (SALAC)، بوصفه تصورًا لمنظومة تستطيع أن تختبر المرشح في مواقف تحاكي الواقع، لا أن تسأله فقط عما يعرفه.
كان السؤال الذي يحكم الفكرة بسيطًا:
إذا كانت الجامعة تحتاج إلى رئيس يصنع مئات القرارات، فلماذا لا نختبر قدرته على صناعة القرار قبل أن نمنحه سلطة صناعته؟
واليوم، يأتي إعلان مجلس شؤون الجامعات عن إنشاء مركز خاص للقيادات الجامعية ليضع هذه الفكرة في سياق مؤسسي أوسع.
فالمعلن عن المركز لا يقف عند اختيار القيادات، بل يمتد إلى تحديد المواهب وتقييمها، وتطوير القدرات القيادية، وإدارة الأداء، والتأهيل والاندماج القيادي، وبناء وإدارة المسارات القيادية، والاستشارات القيادية، والتفاعل الدولي.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية ما حدث.
فالحديث لم يعد عن البحث عن رئيس جامعة عند خلو منصب، وإنما عن بناء منظومة لإنتاج القيادات الجامعية نفسها.
وهذا فارق جوهري.
الفكرة لم تكن «اختيار شخص».. بل «بناء منظومة»
حين كتبت عن اختيار رئيس الجامعة، كنت أحاول نقل النقاش من:
من نختار؟
إلى:
كيف نعرف أن من نختاره هو الشخص المناسب؟
وهذا التحول في السؤال هو جوهر القضية.
لأن المشكلة في القيادات الجامعية لا تبدأ يوم يصدر قرار التكليف، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير: في معايير الاختيار، وفي أدوات التقييم، وفي القدرة على اكتشاف الإمكانات القيادية الحقيقية، وفي معرفة الفرق بين الأكاديمي المتميز والقائد الجامعي القادر.
قد يكون لدينا أستاذ متميز، وباحث مرموق، وإداري ناجح، وشخصية أكاديمية محترمة، لكن ذلك كله لا يعني بالضرورة أنه سيكون رئيس جامعة ناجحًا.
رئاسة الجامعة ليست جائزة على المسيرة الأكاديمية، وإنما وظيفة قيادة استراتيجية.
ولهذا فإن التقييم الحقيقي يجب أن يختبر ما وراء السيرة الذاتية: كيف يفكر المرشح؟ كيف يتخذ القرار؟ كيف يتعامل مع الأزمة؟ كيف يدير الاختلاف؟ كيف يوازن بين الاستقلال الأكاديمي والاستراتيجية المؤسسية؟ كيف يتعامل مع الموارد المحدودة؟ وكيف يقود جامعة نحو المستقبل بدل أن يدير حاضرها فقط؟
هذه هي المنطقة التي حاول مقالي أن يفتح النقاش حولها.
واليوم.. الفكرة تأخذ شكلًا مؤسسيًا
الإعلان عن المركز لا يعني بالضرورة أن كل ما ورد في مقالي قد أصبح مطبقًا حرفيًا، ولا أملك أن أنسب إنشاء المركز إلى المقال من دون دليل.
وهذه نقطة أحرص على توضيحها.
الأفكار العامة لا يملكها أصحابها، ولا ينبغي للكاتب أن يدعي ملكية فكرة لمجرد أنه كتب عنها قبل غيره.
لكن في المقابل، من حق الكاتب أن يتوقف عندما يرى أن السؤال الذي طرحه، والمنظور الذي دعا إليه، يجدان طريقهما إلى الواقع المؤسسي.
والمفارقة الجميلة أن مقالي بدأ من عنوان يقول:
«اختيار رئيس الجامعة.. القرار الذي يصنع ألف قرار»
ثم يأتي الإعلان اليوم ليذهب بالنقاش إلى خطوة أبعد:
إذا كان القرار الذي يصنع ألف قرار يحتاج إلى قائد استثنائي، فإن اختيار ذلك القائد يحتاج إلى مؤسسة متخصصة.
وهنا تكتمل الحلقة.
من اختيار القيادات إلى صناعة القيادات
ربما تكون هذه هي النقلة الأهم التي يمكن أن يصنعها المركز.
فالمنظومة الناضجة لا تنتظر شغور منصب رئيس جامعة حتى تبحث عن مرشحين، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات.
تكتشف المواهب.
تقيم القدرات.
تحدد الفجوات.
تطور القيادات.
تمنحها الخبرات.
تراقب أداءها.
ثم تضع أمام الجامعة قاعدة أوسع وأكثر جاهزية من القيادات المحتملة.
عندها لا يصبح السؤال:
من لدينا الآن ليصبح رئيس جامعة؟
بل يصبح:
من أعددناه ليصبح رئيس جامعة؟
وهذا، في تقديري، هو الفرق بين إدارة الشواغر وصناعة المستقبل.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإعلان
ومع ذلك، فإن إنشاء المركز ليس نهاية القصة؛ بل بدايتها.
فنجاح أي مركز للقيادات الجامعية لن يقاس بجمال اسمه، ولا بعدد البرامج التدريبية التي يقدمها، ولا بعدد القيادات التي تمر عبره.
سيُقاس بالسؤال الأصعب:
هل أصبح لدينا قادة جامعيون أفضل؟
وهل أصبحت عملية الاختيار أكثر موضوعية؟
وهل أصبحت لدينا أدوات تستطيع التمييز بين من يجيد الحديث عن القيادة ومن يستطيع ممارستها؟
وهل أصبح لدينا مخزون وطني من القيادات القادرة على قيادة جامعاتنا في المرحلة المقبلة؟
وهل نستطيع أن نكتشف القائد قبل أن يصبح منصبه هو الذي يكشفه لنا؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة المركز.
وفي النهاية.. أجمل ما يمكن أن يحدث للفكرة
لا أريد أن أتعامل مع الإعلان باعتباره انتصارًا شخصيًا لمقال.
فذلك سيكون أصغر من الفكرة.
الانتصار الحقيقي هو أن تتحول الأسئلة التي نطرحها في الصحافة والبحوث والمنابر الأكاديمية إلى مؤسسات وسياسات وأدوات عمل.
كتبتُ عن الحاجة إلى تطوير طريقة اختيار رئيس الجامعة.
واليوم نرى توجهًا رسميًا لإنشاء مركز متخصص بالقيادات الجامعية، لا يكتفي بالاختيار، وإنما يمتد إلى التقييم والتطوير وإدارة الأداء وبناء المسارات القيادية.
وهنا لا يصبح السؤال: هل تحقق مقترحي؟
بل يصبح السؤال الأهم:
هل نستطيع أن نجعل من هذه الفكرة منظومة وطنية رائدة في صناعة القيادات الجامعية؟
فإذا كان رئيس الجامعة يصنع ألف قرار، فإن اختيار رئيس الجامعة يصنع ألف قرار قبل أن يتخذ الرئيس قراره الأول.
وربما تكون الخطوة الأهم الآن ألا نكتفي باختيار القادة الذين تحتاجهم جامعاتنا اليوم، بل أن نصنع القادة الذين ستحتاجهم جامعاتنا غدًا.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري