إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
حين ينصت المرء إلى نبض العصر، يدرك أن العالم يركض بخطى محمومة تكاد تبتلع ملامحنا البشرية وسط صخب الخوارزميات وبرودة التقنية. من هنا ولد السؤال العميق الذي استحوذ على الأفكار في النسخة السابعة من «المنتدى الإبداعي 2026»، الذي احتضنه مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك) بتنظيم استثنائي من معهد مسك للفنون؛ حيث تساءل الجميع بحرقة وتأمل: أين تتجلى البصمة الإنسانية حقاً في الإنتاج الثقافي والإبداعي؟
لم يكن هذا التساؤل مجرد طارئ عابر لكنه نبض حي التف حوله ثمانية وأربعون متحدثاً ومشاركاً، لترتسَم على مدى يومين ملامح ملحمة فكرية تسبر أغوار الهوية والمستقبل.
حين تفقد بوصلتك في زحام الحياة الرقمية، تجد في هذه التجمعات واحة روحية ومختبراً حياً للوعي. لقد تحول المنتدى إلى منصة تلتقي فيها أرواح الفنانين، والمصممين، والأكاديميين، وصنّاع الفكر من شتى بقاع الأرض ليتشاركوا عبر اثنتي عشرة جلسة حوارية وسبع عشرة مساحة للتواصل رؤىً تعيد الإنسان إلى مركز الكون.
لم تكن الحوارات مجرد كلمات تلقى في الهواء إنما كانت رحلة استكشافية عميقة بدأت بكلمات افتتاحية ألهمت الحاضرين، ونقاشات متبصرة قادتها شخصيات مهمة في المجال الإبداعي كالدكتور عبد الرحمن السحيباني وخالد العريفي وسلمان الخطاف حول الثقافة بوصفها المرآة النقية للبصمة البشرية.
وما إن انبرى المفكر والناقد د. عبد الله الغذامي لطرح رؤيته عن «الحوار الثقافي في عصر التكنولوجيا»، حتى شعر الحضور بأن السرديات الإنسانية تتجدد وتنهض من رماد التنميط لتنافس الزمن. ولم تتوقف رحلة الفكر عند حدود الماضي لكنها اقتحمت آفاق المستقبل حين تحدثت سمو الأميرة نورة بنت سعود بن نايف آل سعود عن آفاق الاقتصاد الفني، لتؤكد أن الإبداع ليس ترفاً فكرياً بل رافداً اقتصادياً ومستقبلاً مستداماً لصناعة الثقافة. وفي قاعات المنتدى امتلأت الأجواء بحكايات الذاكرة والإعلام مع أسماء بارزة كـ «لمى الشثري ومحمد بازيد ومي الشريف»، ليتشابك الماضي بالحاضر عبر خيوط من السرد الذي يروي حكاية الإنسان وحده.
وحين انتقل الحوار نحو تقاطعات التاريخ والتقنية في اليوم الثاني، أبدع أسماء عالمية مثل آدم ليفين وكريستوف بوفيه وستيفن ليدبري في رسم صورة حية لكيفية إعادة صياغة المتاحف المعمارية للذاكرة الجماعية.
ولم يكن التعليم بمعزل عن هذا الزخم إذ وقفت د. أروج الوابل وفيديريكو بومبا ود. غيزيه رانجل - دي لازارو على منصة النقاش ليبحثوا مستقبل تعليم الفنون والتصميم في عصر الذكاء الاصطناعي.
ولعل أكثر لحظات المنتدى توهجاً تلك المناظرة المحتدمة التي وضعت الجميع أمام سؤال مصيري: هل ينبغي إعطاء الأولوية للأعمال الإبداعية الإنسانية على تلك المنتجة بالذكاء الاصطناعي؟ لقد اشتعلت الأفكار بين فريقين من أبرز المتناظرين والأكاديميين كالدكتور عماد الزهراني وميساء شلدان، لتتحول القاعة إلى ساحة تفاعلية تفوح بشغف البحث عن تفرد الروح البشرية.
في خضم هذا الحراك، أضاء حضور سمو الأمير نواف بن عبد العزيز بن عياف عبر جلسة «جائزة المصلى» على التناغم الفريد بين العمارة والهوية الروحية والثقافية. ولم تقتصر المتعة على الفكر النظري، إذ انفتحت أبواب مسرح «نصائح وإرشادات» لتمنح المبدعين أدوات عملية صريحة، بدءاً من حقوق الملكية الفكرية التي شرحتها سفانة دحلان، وصولاً إلى رؤى هنيدة صيرفي الملهمة حول الأزياء كأعمال فنية قائمة بذاتها.
وكانت زوايا «قهوة مع خبير ثقافي» والتجارب التفاعلية مثل «هل أعرف بصمتي الثقافية؟» مساحات حميمة تذوب فيها المسافات بين الحالمين وصنّاع القرار.
إن هذا الإنجاز الضخم ليس إلا امتداداً طبيعياً لرسالة معهد مسك للفنون الذي تأسست رؤيته منذ عام 2017 لتكون الحاضنة الكبرى للمجتمع الإبداعي المزدهر. لقد أخذ المعهد على عاتقه مهمة تمكين المواهب، وإتاحة فرص التعليم الراقي، وتقريب المسافة بين الفن ووجدان المجتمع، محولاً الشغف الفردي إلى حركة ثقافية وطنية وعالمية راسخة.
حين يسدل الستار على فعاليات مثل هذا المنتدى، يتيقن المتابع أن الإنسان يبقى هو الحكاية الأبقى، والبوصلة التي لا تضل، وأن كل هذه الجهود تصب في مصلحة تأكيد حقيقة واحدة: أن الإبداع الحقيقي ينبع دائماً من ذلك النبض البشري الدافئ الذي لا تستطيع أعتى التقنيات تقليده أو محوه.
** **
X: AL_KHAFAJII