جمال بن على بوحسن
بوصفي مواطنًا خليجيًا مهتمًا بالشأن السياسي، ومتابعًا لما يدور من حولنا من تطورات ومتغيرات على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فإنني أسجل بكل فخر واعتزاز إعجابي البالغ بالنهج المتميز الذي تنتهجه المملكة العربية السعودية في سياستها ودبلوماسيتها، وبما تتحلى به من حكمة واتزان ومرونة وإبداع في التعامل مع مختلف الأحداث والمتغيرات، سواء في محيطنا الخليجي أو على المستوى الإقليمي والدولي.
لقد أثبتت الدبلوماسية السعودية أنها مدرسة قائمة بذاتها، تجمع بين رصانة الموقف وذكاء التحرك، وبين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل، بما يعكس عمق التجربة السياسية السعودية وحسن قراءتها لموازين القوى وتطورات الأحداث، ويجعل من السعودية صوتًا يحظى بالاحترام والتقدير، وحضورًا دبلوماسيًا فاعلًا في زمن تتسارع فيه الأزمات وتتبدل فيه التحالفات والمواقف
فالمتأمل في السياسة السعودية، والمتابع لمسيرتها الدبلوماسية عبر العقود، يلحظ بوضوح أن المملكة العربية السعودية استطاعت أن تبني لنفسها مدرسة دبلوماسية متميزة، تجمع بين الاتزان والحكمة، وبين المرونة والإبداع، وبين الثبات على المبادئ والقدرة على التعامل مع المتغيرات. وهي خصائص ربما لا تجتمع بهذه الصورة في كثير من التجارب السياسية المعاصرة.
فالسعودية لم تكن دولة تقف على هامش الأحداث، بل كانت حاضرة في العديد من الأزمات والقضايا الإقليمية والدولية، سواء كانت تلك الأزمات تمس أمنها ومصالحها بصورة مباشرة، أو تتعلق بجيرانها وأشقائها، أو بالمحيط العربي والخليجي، أو بالقضايا الإنسانية التي تشغل المجتمع الدولي. ومع ذلك، ظلت الدبلوماسية السعودية قادرة على المحافظة على هدوئها واتزانها، بعيدًا عن الانفعال والتصعيد، ومتمسكة بالحوار والتفاهم والوساطة باعتبارها أدوات أساسية لحل النزاعات.
ولعل هذا النهج لم يأتِ من فراغ، وإنما هو امتداد لتاريخ سياسي طويل أرست قواعده أسرة آل سعود منذ قيام الدولة السعودية، حيث قامت العلاقة مع الآخرين على الحكمة وحسن الجوار والتوازن والقدرة على قراءة الظروف والمتغيرات. ومنذ قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727م بقيادة الإمام محمد بن سعود وعاصمتها الدرعية مرورا بالدولة السعودية الثانية عام 1824م بقيادة الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وعاصمتها الرياض وصولاً إلى الدولة السعودية الحديثة وهي الثالثة التي قام بتأسيس بنيانها المؤسس جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في عام 1932م مروراً بأبنائه الملوك حتى وصلت إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود فهي مدرسة سياسية متوارثة، تقوم على الاعتدال وعدم التسرع، وحماية المصالح السعودية والحفاظ على أمنها واستقرارها، مع احترام الآخرين وعدم التدخل في شؤونهم.
وقد أثبت التاريخ أن هذه المدرسة الدبلوماسية لم تكن مجرد شعارات، وإنما ممارسة سياسية راسخة أثبتت جدواها في أصعب الظروف وأكثرها تعقيدًا.
فالسياسة السعودية لم تجعل من الاختلاف مع دولة ما سببًا لقطع الجسور معها، ولم تجعل من الأزمات وسيلة لتوسيع الخصومات، بل حافظت في معظم الأحيان على جعل قنوات الاتصال مفتوحة، لأن الدبلوماسية السعودية تدرك أن الجسر الذي يبقى قائمًا في أوقات الأزمات قد يكون هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحل الأمثل عندما تتعقد الأمور.
الحياد الإيجابي.. وليس الحياد السلبي
ومن الخطأ تفسير الموقف السعودي المتزن على أنه حياد سلبي أو ابتعاد عن القضايا. فالسعودية ليست دولة تتجنب القضايا، وإنما هي دولة تتعامل معها بعقلانية وهدوء.
فالحياد السعودي، في جوهره، هو أقرب إلى الحياد الإيجابي الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر، واحتواء الخلافات، ومنع الأزمات من التحول إلى صراعات مفتوحة.
ولهذا عُرفت السعودية تاريخيًا بدورها في الوساطة والمساعي الحميدة، وبقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة ومتباينة، وهو ما منحها مساحة واسعة من الثقة لدى العديد من الدول والأطراف.
فالدبلوماسية الناجحة ليست في أن تقف دائمًا مع طرف ضد طرف، وإنما في أن تستطيع أن تقول كلمة الحق، وتحافظ في الوقت نفسه في القدرة على الحوار مع الجميع.
وهذه معادلة صعبة لا تستطيع تحقيقها إلا الدول التي تمتلك رصيدًا حقيقيًا من الثقة والاحترام.
القوة الناعمة السعودية
ومن أبرز عناصر نجاح السياسة السعودية اعتمادها على ما يمكن تسميته بـ القوة الناعمة.
فالسعودية لم تبنِ نفوذها فقط من خلال السياسة، وإنما من خلال العمل الإنساني، والمساعدات التنموية، والإغاثة، والدعم الاقتصادي، والعلاقات الثقافية والاجتماعية.
لقد أدركت السعودية مبكرًا أن مساعدة الشعوب في أوقات الأزمات تخلق رصيدًا من المحبة والثقة يتجاوز الحسابات السياسية الآنية.
ولهذا نجد السعودية حاضرة في العديد من الملفات الإنسانية والتنموية، من خلال مؤسساتها الرسمية وصناديقها التنموية ومؤسساتها الإنسانية.
وهذه السياسة جعلت من اسم السعودية مرتبطًا في أذهان الكثير من الشعوب بمفهوم العطاء والمساعدة والوقوف إلى جانب الإنسان في وقت الحاجة.
فالعمل الإنساني السعودي لم يكن مجرد نشاط خارجي، بل أصبح جزءًا من هوية الدولة وسياستها الخارجية. وهذا ما يميز المملكة العربية السعودية عن غيرها من دول العالم اذ تقوم بتقديم كافة أنواع المعونات والمساعدات الإنسانية في هدوء دون الحاجة الى الزخم والضجيج الاعلامي وهذا ما يميزها عن الغير.
الدبلوماسية السعودية.. أخلاق قبل أن تكون سياسة
ومن أجمل ما يميز الدبلوماسية السعودية أنها تجمع بين السياسة والأخلاق.
ففي عالم تتداخل فيه المصالح وتتغير فيه التحالفات، تبقى الأخلاق السياسية عنصرًا مهمًا في بناء الثقة بين الدول.
والسعودية، بحكم طبيعة مجتمعها وتاريخها، استطاعت أن تقدم نموذجًا في التعامل الهادئ، واحترام الآخر، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة دائمة.
وهذا لا يعني أن السعودية تتنازل عن مصالحها أو أمنها الوطني، بل على العكس؛ فالدبلوماسية الحكيمة هي التي تحمي مصالح الدولة بأقل قدر ممكن من الخسائر والتوتر.
ومن هنا يمكن القول إن الهدوء في السياسة السعودية ليس ضعفًا، والمرونة ليست تنازلًا، والانفتاح ليس تفريطًا بالمصالح الوطنية بل هي أدوات قوة تستخدمها الدولة بعقلانية لتحقيق أهدافها وحماية أمنها واستقرارها.
السعودية والخليج.. الحكمة في أصعب البيئات
وتزداد أهمية الدبلوماسية السعودية عندما ننظر إلى موقع السعودية الجغرافي والسياسي.
فالسعودية تقع في منطقة شديدة الحساسية، تحيط بها ملفات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، وتعيش في محيط إقليمي شهد خلال العقود الماضية حروبًا وأزمات وصراعات وتوترات متكررة.
ومع ذلك، تمكنت السعودية من المحافظة على علاقاتها الخليجية والعربية والدولية، وسعت باستمرار إلى تعزيز الحوار والتنسيق، وإلى عدم تحويل الاختلافات السياسية إلى قطيعة دائمة.
وهذا يعكس إدراكًا سعوديا عميقًا بأن أمن الخليج العربي كلٌّ لا يتجزأ، وأن استقرار دول مجلس التعاون يمثل مصلحة مشتركة لجميع شعوب المنطقة.
فالسعودية تعرف جيدًا أن أمنها لا ينفصل عن أمن أشقائها في الخليج، وأن قوة الموقف الخليجي تكمن في وحدة الصف والتنسيق والتشاور، مع احترام خصوصية كل دولة وسيادتها.
الدبلوماسية السعودية بين الثبات والمرونة
وربما تكون أعظم سمات الدبلوماسية السعودية هي قدرتها على الجمع بين أمرين قد يبدوان متناقضين: الثبات والمرونة.
فهي ثابتة في الدفاع عن سيادتها ومصالحها وأمنها، لكنها مرنة في الوسائل التي تستخدمها للوصول إلى أهدافها.
وهي ثابتة في علاقاتها الخليجية والعربية، لكنها منفتحة على مختلف القوى الدولية.
وهي واضحة في مواقفها، لكنها لا تغلق أبواب الحوار.
وهنا تظهر قيمة الإبداع الدبلوماسي؛ فالدبلوماسية ليست مجرد إصدار بيانات أو اتخاذ مواقف، وإنما هي فن إدارة المصالح والخلافات والأزمات، مع المحافظة على أكبر قدر ممكن من الخيارات السياسية.
الإرث الدبلوماسي يتجدد في عهد الملك سلمان
ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الامير محمد بن سلمان آل سعود حافظت السعودية على ثوابتها الدبلوماسية، في التعامل مع عالم يتغير بصورة متسارعة.
فالمشهد الدولي اليوم يختلف كثيرًا عن العقود السابقة؛ إذ تتداخل فيه التحالفات، وتتغير موازين القوى، وتتسع المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وتتعدد مصادر التهديد، وأصبحت الأزمات الإقليمية أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دبلوماسية تجمع بين ثوابت الدولة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية السعودية في المرحلة المقبلة: المحافظة على إرثها التاريخي، وفي الوقت ذاته تطوير أدواتها بما يتناسب مع طبيعة النظام الدولي الجديد.
السعودية.. صوت العقل في زمن الاستقطاب
إن العالم اليوم بحاجة إلى أصوات عقلانية أكثر من أي وقت مضى، وإلى دول تستطيع أن تتحدث مع الجميع دون أن تفقد هويتها أو مبادئها؛ فالسعودية تمتلك رصيدًا تاريخيًا يؤهلها للقيام بهذا الدور.
فهي دولة لا تبحث عن الصدام، ولا تجعل من الخلاف وسيلة لإلغاء الآخر، ولا ترى في الحوار ضعفًا، بل تعتبره طريقًا للحل.
ولهذا فإن الدبلوماسية السعودية تمثل نموذجًا جديرًا بالدراسة، لأنها أثبتت أن الدولة تستطيع أن تكون مؤثرة دون أن تكون صدامية، وقوية دون أن تكون متعالية، ومرنة دون أن تتخلى عن ثوابتها.
وفي النهاية، يمكن القول إن الدبلوماسية السعودية ليست مجرد سياسة خارجية، وإنما هي مدرسة متكاملة في إدارة العلاقات الدولية، قوامها الحكمة والاتزان، والمرونة والوضوح، وحسن الجوار، والوساطة، والعمل الإنساني، واحترام سيادة الدول.
وقد استطاعت السعودية عبر عقود طويلة أن تبني رصيدًا من الثقة والاحترام جعل صوتها مسموعًا، ومبادراتها محل تقدير، ومساعيها موضع ترحيب.
وهنا تكمن عظمة التجربة السعودية؛ فالسعودية جعلت من الحكمة دبلوماسية، ومن الاعتدال قوة، ومن الإنسانية نفوذًا، ومن الحوار وسيلة لحل الأزمات.
وإذا كانت القوة العسكرية تمنح الدولة قدرة على الردع، والقوة الاقتصادية تمنحها قدرة على التأثير، فإن القوة الدبلوماسية تمنحها القدرة على صناعة الجسور، وهذه هي القوة التي تحتاجها المنطقة والعالم في زمن تكثر فيه الأزمات وتقل فيه مساحات التفاهم.
ومن هنا ستظل السعودية، بتاريخها وتجربتها ورصيدها الإنساني والدبلوماسي، نموذجًا عربيًا وخليجيًا مميزًا لدبلوماسية الاتزان والإبداع، ودولةً تؤمن بأن أفضل الانتصارات السياسية ليست تلك التي يخرج منها طرف مهزومًا، وإنما تلك التي يصل فيها الجميع إلى مساحة من التفاهم تحفظ الكرامة وتصون المصالح وتحول دون ان تتحول الصراعات إلى قطيعة بين الشعوب والدول.
هذه هي السعودية التي عرفها العالم، وستظل في وجدان الجميع، بلدَ التسامح والسلام، وموطنَ الإنسانية، وأرضَ المحبة والكرامة والأمان. نعم هذه هي السعودية التي جعلت من قيم الأخوة والتعايش والتآخي نهجًا راسخًا، ومن العمل الإنساني رسالةً ساميةً تتجاوز الحدود والجغرافيا.
نعم، إنها السعودية التي احتضنت الجميع، ومدّت جسور المحبة والتواصل، وظلت نموذجًا مشرفًا في الحكمة والاعتدال والإنسانية، فاستحقت بكل جدارة مكانتها الرفيعة في قلوب أشقائها وأصدقائها ومحبيها في العالم.
** **
- مملكة البحرين