مبارك بن عوض الدوسري
ليست كل المناسبات في حياة المجتمعات مجرد أيامٍ تمرّ في التقويم، ولا ينبغي أن ينتهي أثرها بانتهاء الفعاليات المصاحبة لها؛ فالمناسبة، حين تدخل إلى البرنامج الكشفي بعقلية تربوية واعية، يمكن أن تتحول إلى مساحة رحبة للتعلم، وميدان رحب للممارسة، وفرصة حقيقية لاكتساب الخبرة وبناء الشخصية؛ ومن هنا تأتي أهمية «قطرة 24» التي قدمها مؤخراً الدكتور هاني عبدالوهاب، الأمين العام للمنظمة الكشفية العربية، ضمن سلسلته المعرفية التي يطل من خلالها عبر وسائل التواصل الاجتماعي على القيادات التربوية الكشفية والمهتمين بالحركة الكشفية، متناولاً موضوع «البرنامج الكشفي والمناسبات»، في طرح يؤكد أن المناسبة ليست هدفاً في حد ذاتها، وإنما وسيلة يمكن توظيفها تربوياً لتحقيق أهداف البرنامج الكشفي؛ والجميل في هذه «القطرة» أنها تعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع المناسبات؛ فبدلاً من أن تكون المناسبة عنواناً لنشاط عابر، يمكن أن تكون مدخلاً إلى تجربة تعليمية متكاملة، يتعلم فيها الفتى أو الفتاة بالممارسة، ويكتشف ويشارك ويخطط وينفذ ويخدم الآخرين، ثم يخرج من التجربة بمعرفة أو مهارة أو قيمة جديدة.
وفي البيئة الكشفية السعودية، تبدو هذه الفكرة أكثر اتساعاً حين ننطلق من مناسباتنا وقيمنا وثقافتنا وما نعمل عليه في وطننا؛ فالمملكة العربية السعودية تزخر بمناسبات وطنية ومجتمعية وثقافية وتربوية، وفي مقدمتها اليوم الوطني ويوم التأسيس، وموسم الحج، وشهر رمضان، وعيدا الفطر والأضحى، إلى جانب المناسبات والمبادرات الوطنية ذات الصلة بخدمة المجتمع والبيئة والتطوع، وما يرتبط برؤية المملكة 2030 وبرامجها ومشروعاتها الطموحة؛ فيمكن للكشافة السعودية كمثال أن تجعل من هذه المناسبات فرصاً للتعلم والعمل والعطاء؛ ففي اليوم الوطني مثلاً لا يتوقف البرنامج عند الاحتفاء، بل يمكن أن ينتقل إلى التعرف على تاريخ الوطن ومنجزاته، واستضافة المتخصصين، وتنفيذ مشروعات لخدمة المجتمع، وإبراز قصص النجاح الوطنية، وتعزيز قيم المواطنة والمسؤولية؛ وفي موسم الحج يمكن أن تتحول المناسبة إلى مدرسة ميدانية يتعلم فيها الكشافة معاني التطوع والانضباط والإيثار وخدمة ضيوف الرحمن، وهو ما تجسده معسكرات الخدمة التي تعد من أبرز الميادين التي تمارس فيها الحركة الكشفية رسالتها التربوية والمجتمعية؛ وفي المناسبات البيئية، يمكن أن تتحول المناسبة إلى مشروع عملي للتشجير والنظافة والمحافظة على الموارد والتوعية بالاستهلاك المسؤول، وفي المناسبات المتعلقة بالتطوع يمكن أن يخرج الكشاف من قاعة النشاط إلى ميدان المجتمع، فيشارك في عمل تطوعي حقيقي يشعر من خلاله بأن ما يتعلمه في الكشفية ليس معلومات تحفظ، وإنما قيم تتحول إلى سلوك وممارسة. وهنا تبرز واحدة من أهم الأفكار التي طرحها الدكتور هاني، وهي ضرورة أن تكون المناسبة مرتبطة باحتياجات الفتية والشباب، وأن يكون لهم دور في التفكير والتخطيط والاختيار والتنفيذ؛ وهذه الفكرة تتسق تماماً مع جوهر التربية الكشفية التي لا تجعل الشاب متلقياً سلبياً، بل شريكاً في بناء تجربته؛ ولذلك جاءت الإشارة إلى مبدأ بادن باول الشهير «اسأل الفتى» لتؤكد أن البرنامج الناجح يبدأ من الفتية أنفسهم، ومن اهتماماتهم واحتياجاتهم، لا من أجندة جاهزة تُفرض عليهم. ولعل أجمل ما في سلسلة «قطرة» أنها لا تقدم المعرفة الكشفية بوصفها مادة نظرية منفصلة عن الميدان، وإنما تفتح أمام القائد الكشفي أبواباً للتفكير والتأمل وإعادة اكتشاف ما بين يديه من فرص؛ فكل مناسبة يمكن أن تكون سؤالاً تربوياً: ماذا سيتعلم الفتية منها؟ وما المهارة التي سيتسبونها؟ وما القيمة التي ستترسخ لديهم؟ وما الأثر الذي سيتركونه في مجتمعهم؟ وهذا تحديداً ما تحتاجه الحركة الكشفية اليوم؛ أن ننتقل من مجرد كثرة الأنشطة إلى جودة التجربة، ومن استهلاك المناسبات إلى استثمارها، ومن تنفيذ الفعاليات لمجرد وجودها في التقويم إلى تصميم تجارب كشفية لها أهداف تربوية واضحة وأثر قابل للملاحظة.
ومن الإنصاف القول: إن «قطرة 24» لا تقف عند حدود المناسبة، بل تلامس جوهر البرنامج الكشفي نفسه؛ فالبرنامج ليس قائمة أنشطة نملأ بها الخطة السنوية، وإنما منظومة من الفرص والخبرات التي تساعد الفتى والفتاة على النمو المتوازن، وكل مناسبة يمكن أن تكون واحدة من تلك الفرص إذا أحسن القائد توظيفها؛ ولذلك فإن «قطرات» الدكتور هاني عبدالوهاب تستحق أن تحظى بالمتابعة والتفاعل من القيادات الكشفية العربية، لأنها تفتح نوافذ للمعرفة وتدعو إلى مراجعة الممارسة اليومية، وتضع أمام القائد الملهم أفكاراً يمكن أن يحولها إلى تجارب تناسب بيئته ومجتمعه وثقافته؛ والأهم أنها تؤكد أن الميدان الكشفي لا يحتاج دائماً إلى أفكار خارقة بقدر حاجته إلى قائد يرى في الأشياء العادية فرصاً استثنائية للتعلم والعطاء.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث تتسع مجالات العمل الكشفي وتتعدد ميادين خدمة المجتمع، فإن مثل هذه الطروحات يمكن أن تكون رافداً مهماً لتطوير الممارسة، وبناء برامج أكثر التصاقاً بالواقع السعودي، وأكثر قدرة على تحويل المناسبات الوطنية والدينية والمجتمعية والبيئية إلى تجارب تربوية تعزز الانتماء، وترسخ المسؤولية، وتنمي روح التطوع، وتدعم مستهدفات الوطن.
إنها بالفعل «قطرة».. لكنها قطرة تفتح للقائد الكشفي أبواباً واسعة للتفكير، وتذكره بأن خلف كل مناسبة فرصة، وخلف كل فرصة تجربة، وخلف كل تجربة شاباً يمكن أن يتعلم شيئاً جديداً، ويقدم شيئاً نافعاً، ويصبح أكثر قدرة على خدمة وطنه ومجتمعه؛ ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه القطرة أن نسأل أنفسنا، مع كل مناسبة قادمة: هل سنكتفي بالاحتفال بها، أم سنجعل منها فرصة يتعلم منها أبناؤنا ويتركون من خلالها أثراً؟ وهنا تحديداً تبدأ قيمة البرنامج الكشفي الحقيقي.