محمد بن عبدالعزيز السالم
عندما نلبي دعوة من قريب أو صديق أو أحد أفراد العائلة، فإننا لا نذهب فقط لتناول الطعام أو لشرب القهوة، ولا نذهب لمجرد تسجيل حضورنا والمغادرة. نحن نذهب من أجل الإنسان الذي دعانا، من أجل إسعاده، ومشاركته وقته، والاستماع إلى أخباره، وتبادل الأحاديث معه، وصناعة لحظات جميلة تبقى في الذاكرة.
لكن هناك سلوكًا أصبح يتكرر في مجالسنا بشكل لافت، وأصبح الهاتف المحمول يأخذ مساحة أكبر من صاحب الدعوة نفسه. تجد مجموعة من الأشخاص جالسين في مجلس واحد، ولكن كل شخص يعيش في عالم مختلف خلف شاشة هاتفه؛ هذا يتابع رسائله، وآخر يتصفح مواقع التواصل، وثالث يرد على مكالمة، ورابع يصور الجلسة، بينما صاحب الدعوة يحاول أن يبحث عن حديث يجمع الحاضرين.
والسؤال هنا: لماذا نلبي الدعوة إذا كنا سنقضي معظم وقتنا مع الهاتف؟
أليس من أبسط مظاهر الاحترام أن نضع الهاتف على الوضع الصامت عند دخول المجلس؟ وإذا كان هناك أمر مهم أو اتصال ضروري، يمكن للإنسان أن يستأذن ويخرج لدقائق، ثم يعود إلى الجلسة. أما أن يبقى الهاتف في يده طوال الوقت، أو يضعه أمامه ويتابع إشعاراته ورسائله، فهذا يوصل رسالة غير جميلة إلى الآخرين، حتى لو لم يقصد صاحبها ذلك.
الجلسة الاجتماعية لها حرمتها وأدبها.
عندما يجتمع الأصدقاء والأقارب، فإن أجمل ما في اللقاء ليس الطعام ولا القهوة ولا المكان، وإنما الأحاديث والضحكات والذكريات والمواقف التي نتبادلها. قد يجلس الإنسان ساعتين مع أشخاص يحبهم، ثم يكتشف أنه لم يتحدث معهم إلا دقائق قليلة؛ لأن بقية الوقت كان موزعًا بين الهاتف والرسائل ومواقع التواصل.
نحن اليوم نملك وسائل اتصال أكثر من أي وقت مضى، ومع ذلك أصبحنا أحيانًا أقل تواصلًا مع من يجلس بجانبنا.
الغريب أن البعض إذا وصلته رسالة على هاتفه، يترك الحديث مع الشخص أمامه وينشغل بها فورًا، وكأن العالم كله ينتظر رده. وقد يكون الأمر مجرد رسالة عادية أو مقطعًا في إحدى مجموعات التواصل، بينما الشخص الجالس أمامه ربما لم يره منذ أسابيع أو أشهر.
أي أولوية نريد أن نعطيها في حياتنا؟
إن كان اللقاء مع قريب أو صديق عزيز، فمن الجميل أن يشعر بأن حضوره له قيمة، وأننا حضرنا من أجله، وليس فقط لأن الدعوة وصلت إلينا.
والأجمل من ذلك أن نترك الهاتف جانبًا، ونمنح من أمام أعيننا اهتمامنا. ننظر إليه عندما يتحدث، نستمع إليه، نشاركه الحديث، نسأله عن أحواله، ونضحك معه. هذه التفاصيل البسيطة هي التي تصنع العلاقات القوية.
وقد يقول البعض: «نحن نضع الهاتف أمامنا لأننا قد ننتظر اتصالًا مهمًا».
لا مشكلة في ذلك، فالحياة مليئة بالمسؤوليات، لكن هناك فرقًا بين أن يكون الهاتف متاحًا لحاجة ضرورية، وبين أن يكون هو شريكنا الأساسي في المجلس.
ومن الجميل أن نتعلم عادة بسيطة: عند دخول المجلس، نضع الهاتف على الصامت، ونتركه في الجيب أو في مكان بعيد عن أيدينا، إلا إذا كانت هناك ضرورة تستدعي استخدامه. هذه ليست مسألة تعقيد أو تشدد، وإنما هي ذوق اجتماعي واحترام للآخرين.
ولعلنا نحتاج أيضًا إلى أن نربي أبناءنا على هذا السلوك. فالطفل أو الشاب عندما يرى والده يجلس مع ضيوفه ويضع هاتفه جانبًا، ويتحدث معهم ويستمع إليهم، فإنه يتعلم أن المجالس لها احترامها، وأن العلاقات الإنسانية أهم من شاشة الهاتف.
وفي مجالسنا الشعبية، وديوانياتنا، ولقاءات الأصدقاء، هناك فرصة كبيرة لاستعادة شيء جميل بدأنا نفقده: فن الحديث وفن الاستماع.
فكم من قصة جميلة لم تُروَ لأن الجميع كانوا منشغلين بهواتفهم؟ وكم من خبر سار لم يُشارك كما ينبغي؟ وكم من شخص جاء إلى المجلس وهو بحاجة إلى أن يتحدث ويجد من يسمعه، لكنه وجد الجميع منشغلين بشاشاتهم؟
وعندما نلبي دعوة قريب أو صديق، فلنجعل حضورنا حضورًا حقيقيًا، لا جسدنا في المجلس وعقلنا وعيننا في الهاتف. لنضع الجوال على الصامت، ونرفع أصوات الأحاديث والضحكات بدل أصوات الإشعارات.
لنترك الهاتف قليلًا، ونستمتع بمن حولنا.
فربما تكون هذه الجلسة هي آخر جلسة تجمعنا بشخص عزيز، وربما تكون آخر فرصة لنسمع منه خبرًا جميلًا، أو نشاركه ذكرى، أو نضحك معه على موقف قديم.
الحياة قصيرة، واللقاءات الجميلة لا تتكرر دائمًا.
فإذا دُعينا، فلنحضر بقلوبنا قبل أجسادنا، ولنحترم صاحب الدعوة، ولنحترم المجلس، ولنحترم الأشخاص الذين قطعوا وقتهم وحضروا من أجل اللقاء.
وفي النهاية، ليس أجمل من مجلسٍ تجتمع فيه القلوب قبل الأجساد، وتُغلق فيه الهواتف قليلًا، وتُفتح فيه الأحاديث والقلوب.
فالهاتف يمكن أن ينتظر دقائق... أما اللحظات الجميلة مع من نحب، فقد لا تنتظرنا مرة أخرى.