علي عبدالله الخليفة
لم تعد مشكلة الزحام المروري في الرياض مجرد قضية تتعلق بعدد السيارات أو بطاقة الطرق الاستيعابية، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا للنمو السريع الذي تشهده العاصمة، ولتركيز نسبة كبيرة من الوظائف والأنشطة الاقتصادية والإدارية والخدمية فيها.
وقد بلغ سكان مدينة الرياض 7 ملايين نسمة وفق تعداد 2022، وبنسبة معدل نمو سكاني سنويًا يقارب 4 % وبحساب تقريبي فإن هذا المعدل يبلغ حوالي 280 ألف نسمة سنويًا، أو نحو 23 ألف نسمة شهريًا، وهذه الزيادة المتسارعة تعني مزيدًا من السكان والسيارات والرحلات اليومية، وبالتالي ضغطًا متزايدًا على شبكة النقل والحركة في العاصمة.
والسؤال هنا ليس كيف نبني طرقًا أكثر فقط؟ بل كيف نخفف أصلًا من عدد الرحلات اليومية التي يضطر ملايين الأشخاص إلى القيام بها؟ والحقيقة أن التوسع في الطرق والجسور والأنفاق حلول ضرورية، لكنها لا تكفي إذا استمر تركيز الوظائف والأنشطة في العاصمة فكل وظيفة جديدة في الرياض تعني في الغالب رحلة جديدة، وكل جهة حكومية أو شركة كبرى تتمركز في العاصمة تستقطب موظفين ومراجعين وموردين، وتخلق حولها حركة إضافية من المركبات.
ولهذا، فإن معالجة الزحام يجب أن تنتقل من مفهوم زيادة الطاقة الاستيعابية للطرق إلى مفهوم أوسع يقوم على إدارة الطلب على الحركة وتوزيع الأنشطة والوظائف على المدن والمناطق، والمقصود هنا ليس نقل المؤسسات من الرياض لمجرد النقل، أو إفراغ العاصمة من مؤسساتها، وإنما إعادة النظر في الوظائف التي يمكن أن تؤدى بكفاءة أكبر بالقرب من ميادين أعمالها، خذ مثلًا شركة سابك؛ فمقرها الرئيس في الرياض، بينما تتركز عملياتها التصنيعية الرئيسة في الجبيل وينبع، وهنا يمكن دراسة توسيع الوظائف المرتبطة مباشرة بالتصنيع والتشغيل والتقنية وسلاسل الإمداد بالقرب من المدن الصناعية، مع الإبقاء على الوظائف المركزية التي تحتاجها الشركة في العاصمة، والأمر نفسه يمكن دراسته بالنسبة إلى هيئة المياه؛ فوجود مقر إداري في الرياض أمر مفهوم، لكن طبيعة قطاع المياه وتحليتها وتشغيل منشآتها الممتدة على الساحلين تفتح المجال لتوزيع بعض الوظائف الفنية والتشغيلية والبحثية على المناطق التي توجد فيها الأصول والمشروعات، بدل تركيز الوظائف الإدارية والفنية في العاصمة.
كما أن هناك حلآ آخر لا يقل أهمية عن توزيع المؤسسات، وهو توزيع حركة الموظفين والطلاب على ساعات مختلفة، فالرياض بدأت بالفعل تتجه إلى استخدام ساعات العمل المرنة كأداة لتخفيف الضغط المروري، وهو اتجاه يستحق التوسع والتقييم المستمر بدلا من أن تتجمع ملايين الرحلات في فترة زمنية واحدة، كما يمكن كذلك دراسة نموذج أكثر مرونة للعمل، بحيث يقلص أسبوع العمل في القطاع الخاص الى خمسة أيام بدلًا من ستة لدى المنشآت التي لا تحتاج تشغيلًا مستمرًا، ودراسة أسبوع عمل حكومي من أربعة أيام لبعض الجهات التي تسمح طبيعتها بذلك، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، وهذه ليست دعوة إلى تقليل الإنتاج، بل إلى إعادة تنظيمه، فالعمل عن بعد، والدوام المرن، وتوزيع ساعات الحضور، وتقليل أيام التنقل عند إمكانية ذلك، يمكن أن تخفض عدد الرحلات اليومية من دون أن تخفض بالضرورة حجم الإنتاج.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن الحديث عن مستقبل الرياض من دون تعزيز النقل العام وتوسيع طاقته، والأرقام الحديثة تشير إلى أن استخدام النقل العام في المملكة يتزايد، مع توسع الخدمات في مدن ومحافظات عدة، وفي الرياض تحديدًا يجب أن يتكامل المترو والحافلات والمواقف الذكية والمشي والربط بين وسائل النقل، بحيث يصبح الانتقال من السيارة الخاصة إلى النقل العام خيارًا عمليًا ومريحًا وكافيا، وليس مجرد خيار اضطراري وهذا يرفع من مستوى جودة الحياة فيها.
لذا، نجد المشكلة ليست في نمو الرياض، ولا في نجاحها في جذب الاستثمارات والشركات والسياح بل على العكس، فان هذا النمو أحد أهم مكاسب المملكة الاقتصادية لكن النجاح نفسه يحتاج إلى إدارة، فإذا كان الهدف أن تصبح الرياض واحدة من أهم المراكز الاقتصادية العالمية، فلا بد أن تكون مدينة يستطيع سكانها وزوارها من الوصول إلى وجهاتهم دون أن تتحول ساعات الذروة إلى استنزاف يومي للوقت والطاقة والوقود، لذلك فإن الحل الحقيقي للزحام لا يكمن في مشروع طريق جديد فقط، بل في إعادة هندسة المدينة اقتصاديًا وزمنيًا ومكانيًا، وإجمالاً فإن الحلول تكمن في طرق أفضل، ونقل عام أكثر كفاءة وسعه، وساعات عمل مرنة، وتشجيع العمل عن بعد، وتوزيع بعض الوظائف على المدن والمناطق، ونقل الأنشطة المرتبطة بمواقعها الفعلية إلى جوارها، وتوزيع جزء من المعارض والمؤتمرات خارج العاصمة، وبدلا من أن نطارد الزحام كل عام بمزيد من الطرق، يمكن أن نبدأ في معالجة مصدر الزحام نفسه متى ما توفرت هذه الحلول.