عبدالكريم بن دهام الدهام
التاريخ لا يحتفظ بالهامش، ولا يلتفت للأعمال وليدة اللحظة التي تنال إعجاباً مؤقتاً أو شهرة سريعة وسرعان ما تنطفئ؛ التاريخ يفتح صفحاته فقط للبصمات الاستثنائية والإنجازات الخالدة التي تنحت مكانتها في ذاكرة الشعوب.
إن قيمة أي مكتسب وطني حقيقي تأتي من كونه لا ينتهي بمن غدر بهم الزمن وطوتهم الصفحات، بل يتحول إلى ركيزة متينة يبني عليها الآخرون للمستقبل، ورمز شاهد يجسد قصة نجاح ملهمة وتأثير عميق يمتد عبر الأجيال.
وفي مسيرة الرياضة السعودية، تحولت الرياضة من مجرد منافسة في المستطيل الأخضر إلى ميدان تتجلى فيه أسمى صور الوفاء والتلاحم بين القيادة والشعب.
ولعل المحطة التاريخية التي حُفرت في وجدان الوطن، هي ذلك الاستقبال الأبوي الخالد الذي خصّ به خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في مكتبه بقصر السلام بجدة، معالي رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرياضة -آنذاك- الأستاذ تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، برفقة نجوم المنتخب السعودي الأول لكرة القدم، بمناسبة التأهل التاريخي لنهائيات كأس العالم 2018 في روسيا.
في ذلك اللقاء الاستثنائي، لم تكن كلمات قائد المسيرة مجرد تهنئة بروتوكولية عابرة، بل كانت وثيقة وطنية حملت رسائل بالغة العمق والمسؤولية، حيث وجَّه الملك سلمان كلمات أبوية صادقة للاعبين قال فيها: (يسرني أن أكون معكم في هذا اليوم وأنتم تمثلون بلدكم، الذي نتشرف جميعاً بتمثيله؛ قبلة المسلمين، بلاد الحرمين، ومنطلق العروبة). هذه الكلمات لم تكن لشحذ الهمم رياضياً فحسب، بل لترسيخ عظمة الشرف والمكانة السيادية والدينية التي يحملها كل من يرتدي شعار الوطن في المحافل العالمية.
إن الأثر العميق الذي يبقى حياً في الذاكرة، هو تلك الروح الإنسانية العالية والعفوية التي تذوب معها الحواجز الرسمية. ففي لفتة رائعة وثقت تواضع القيادة وعمق محبتها لأبنائها، مازح الملك سلمان اللاعبين بروح رياضية مبتسمة قائلًا: (بروح ألعب معكم.. كنا لاعبين كورة زمان)، مستحضراً بأصالة الاسم الشعبي القديم للكرة (طابة)، في مشهد يفيض بالبهجة والارتياح، تلاها برسم خريطة الطريق النفسية والذهنية للنجوم متجاوزاً كل الضغوط بعبارته الخالدة: (اعتمدوا على الله قبل كل شيء واعملوا جهدكم كله والعلم عند الله).
إن هذه الرؤية العميقة من القيادة الرشيدة تعكس مبدأ راسخاً وثابتاً في هوية المملكة؛ مبدأ تقدير كل مخلص ومبدع ومجتهد ترك بصمته في مسيرة التنمية والرفعة. فالاعتناء بالكفاءات الناجحة والمميزة ورعايتها يمثل المحرك الأساسي لتطور المجتمع وتقدمه، وهو الذي يصنع النموذج الملهم للأجيال القادمة لتقديم أفضل ما لديهم والتفاني في العطاء. وكم نحن محظوظون في هذا الوطن بقيادة لا تنسى أبناءها المخلصين أبداً، وتبادلهم الحب بالحب والوفاء بالوفاء، لتظل تلك اللحظات التاريخية رموزاً شاهدة تجسد النجاح بمسيرة مميزة وتأثير يمتد عبر الزمن.