سلمان بن محمد العُمري
تُعدّ المناسبات الاجتماعية والزواجات مظهراً من مظاهر الألفة والتواصل بين أفراد المجتمع، ومحطةً لتوطيد أواصر المحبة والترابط، غير أن الممارسات البشرية غالباً ما تتقلب بين يسر الشريعة وتكلف العادات، فتظهر بين الحين والآخر سلوكيات خاطئة تفقد المناسبات جوهرها وهدوءها، وتتحول من مناسبات للفرح وصلة الرحم إلى مواقف شاقة ومحرجة، ومن أبرز هذه الظواهر غير المحمودة ما يمارسه البعض في بعض المناطق بقاعات الأفراح، حيث يدخل أحدهم القاعة ليبدأ رحلة ماراثونية من المصافحة وربما المعانقة لكل من يقابله -معروفاً كان أو لا يعرّفه- لا يلوى على شيء حتى يُفاجأ بنداء العشاء، في مشهد يعكس مدى التكلف والمبالغة.
وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح في بعض حفلات الزواج؛ إذ يصرّ بعض الحاضرين على الدخول والمرور بصفوف الحضور طولاً وعرضاً، مصافحاً كل من صادفه، ومعانقاً من تربطه به معرفة سطحية أو حتى معدومة، في طقس يبدو أقرب إلى أداء واجب إلزامي مرهق.
والمشكلة لا تتوقف عند حدود إهدار الوقت والجهد، بل تتعداها إلى عدة سلبيات، ومن ذلك تعطيل المجالس وإرباكها، ذلك أن تتبع مصافحة العشرات وربما المئات يقطع تواصل الجالسين، ويحول المجلس إلى حركة دؤوبة ومزعجة تحجب الاستفادة من اللقاء الحقيقي، كما أن وقت الزواج ينقضي كله في «السلام» دون أن يحظى المدعو للزواج بجلوس هادئ أو حديث نافع مع أصحابه ومعارفه.
وعند عرض هذه الظاهرة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال أئمة العصر (مثل: ابن باز، وابن عثيمين وغيرهما رحمهما الله)، يتضح التباين الشديد بين السنة المطهرة والممارسات الدارجة، والسنة في إلقاء السلام عند دخول المجلس هي إلقاء السلام الصوتي العام على الحاضرين (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وهو ما يُغني عن كل تكلف، وقد نُهي عن الاكتفاء بالإشارة وحدها مع القدرة على النطق، بينما حثّ الشرع على نشر السلام بصوت يسمعه الحضور، وحكم المصافحة فهي سُنة مستحبة عند اللقاء الأول، لكنها ليست واجبة اتفاقاً، والاكتفاء بالسلام الصوتي عند دخول المجالس الحافلة أو المزدحمة (الجم الغفير) هو الأصل والأرفق بالناس؛ لأن تتبع مصافحة الجميع يشق عليهم ويشغلهم عن مقصود اللقاء.
أما المعانقة وإن كانت وردت في بعض الآثار عند قدوم المسافر من السفر الطويل أو الفراق الشديد، إلا أن التوسع فيها وجعلها طقساً عابراً لكل داخل ومغادر في قاعات الأفراح من غير سبب معتبر يُعد من التكلف المذموم الذي يخالف سَمْت السلف وهديهم، ويكتفى السلام بالإشارة وحدها، وقد نصّ الشيخ ابن باز وغيره على أن السلام بالإشارة باليد أو الرأس من غير نطق بالسلام مكروه أو لا يجوز إذا كان استغناءً عن اللفظ، لما فيه من التشبه، ولأن السنة هي النطق بالسلام، أما إذا جمع بين النطق بالسلام والإشارة للتففه أو لبعد المسافة فلا بأس بذلك، وكذلك تجوز الإشارة لرد السلام لمن كان مشغولاً بصلاة، ويجب التنبه إلى أن المصافحة ليست واجبة اتفاقاً، بل هي سُنة مستحبة عند اللقاء، فيجوز للداخل الاكتفاء بالسلام بالصوت والجلوس حيث انتهى به المجلس، ولا حرج عليه في ترك المصافحة، بل نصّ العلماء على أنه في حال كان المجلس غاصّاً بالناس(الجم الغفير)، فإن تتبع مصافحتهم قد يوقع حرجاً أو يشق عليهم أو يشغلهم، وحينئذٍ يكون الاكتفاء بالسلام الصوتي أحسن وأرفع للتكلف.
والأصل في السلام العموم إكراماً لأهل المجلس كله، وتخصيص شخص أو أشخاص معينين بالسلام وترك البقية قد يُفهم منه الجفاء أو إحداث نوع من الشحناء والتحازب إلا لسبب معتبر، إلا إذا كان الشخص الداخل تربطُه بأحدهم معرفة خاصة أو قدم من سفر فخصّه بالسلام العناية والمصافحة، مع تعميم السلام الصوتي على البقية، أو الاقتصار على الكبار وأهل الهيئات والفضل بالتوقير والتقديم عند المصافحة، أما تخصيص شخص بالسلام والإعراض التام عن البقية ابتداءً من غير مبرر شرعي أو عُرفي مقبول، فهو مكروه لما فيه من قطيعة وتفضيل غير مبرر بين المسلمين.