العقيد م. محمد بن فراج الشهري
إيران ترتكب أخطاء إستراتيجية فادحة ضد دول الخليج فهي منذ بداية حربها مع أمريكا وإسرائيل جعلت هدفها المتكرر دول الخليج، وهي بذلك تهدم كل جسور التواصل مع دول الجوار، وتعلن بكل وضوح أنها لن تقدم أي خير لجيرانها، لا حالياً ولا مستقبلاً، حيث تكشفت كل النوايا التي كانت مغلفة، وادعاءات الجوار إلى ذلك من الخبث الإيراني الذي ظهر بوضوح خلال هذه الأزمة، والتي لم تجد إيران أمامها سوى دول الخليج لترسل صواريخها،ومسيراتها إليها بدل من أمريكا، وإسرائيل، وهذا كله نتاج حكم المليشيات التي تحكم إيران، إذ إن من الواضح تماماً أن من يدير الأمور في إيران هي مليشيات (الحرس الثوري) وليس الجيش أو الشعب الإيراني، إن من أوقع إيران في كل ما هي فيه من تدهورات هي هذه المليشيات التي أفقدت إيران مركزها وأنهكت اقتصاد إيران، وتسببت في دمار كامل، لكل مناحي الحياة في إيران، وإلى تحطيم كل قدراتها العسكرية الدفاعية، والهجومية، والبحرية، والجوية، وأصبحت بلا أيدي ولا أذرع، ولا راس، بترت أطرافها كلها، ولم تستطع أن ترد لا على أمريكا، وعلى إسرائيل بل كان همها دول الخليج التي لا ناقة لها ولا جمل في كل ما حدث، والتي استعدتها إيران بشكل فاضح ومتكرر وهي تعلم جيداً أن دول الخليج بإمكانها رد الصاع صاعين، فلديها من القوة ما يكفي لردع مثل هذه التصرفات الرعناء لإيقافها عند حدها، لكن تعرف حجم ما قد تخسره، في رخاء شعوبها، ومستقبل أجيالها، واستدامة الرخاء. ومن حكمة قيادتها أنها لا تنجر إلى منطق العصابات، والمليشيات، ولا تتشبه بأسلوب العدوان الإيراني، بل تحسب عواقب كل خطوة، وتحمي ما بنته لشعوبها من رخاء، وتقدم، وحضارة، طوال هذه العقود.
هذا لا يعني أن إيران ليست خطرة، لديها صواريخ ومسيرات، مخصصة للإيذاء والاستنزاف، لكنها لا تعني تفوقها قدرات جيرانها، فلديهم أفضل مما لديها بكثير في مجال التسلح، وأغلب التجهيزات الإيرانية، عفى عليها الزمن، والمشكلة ليست أن إيران لا تملك ما تخسره، لكن القدرة على إحداث الضرر أيضاً لا تعني التفوق، لكن نظامها المليشياوي أكثر استعداداً للمغامرة بما يملكه الشعب الإيراني، وتحميله فاتورة مشاريعه ومغامراته، وحروبه، أما دول الخليج فقد كشفت المخطط الميلشياوي في إيران وما يرمي إليه من تهورات، وتخبطات، وضبط النفس بالنسبة لدول الخليج ليس عجزاً إطلاقاً، وإيران تدرك ذلك تماماً، ولكن القيادات الحكيمة تختار متى ترد، وكيف ترد، لتمنع تكرار العدوان غير المبرر، لا لمجرد الانتقام، وقد أكد مجلس التعاون احتفاظ دوله بحق الرد الفردي والجماعي، على كل ما تقوم به المليشيات الإيرانية وأذرعها الأخرى، وليس لدى إيران أي مخرج من المأزق الذي وقعت فيه حتى الآن سوى استعداء دول الخليج وعجزها التام عن مواجهة إسرائيل وأمريكا التي دكّت كل شبر في إيران، أما موضوع (هرمز) ومحاولاتها البائسة إغلاقه والتي جعلت منه ورقتها التفاوضية فهي تعلم أنه ممر مائي دولي يخص كل دول العالم، وهذا الممر تعبره نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية، وهو ما أخذته إيران ورقة ضغط تلوح بها ضد أمريكا والعالم، والتهديد المستمر بتعطيل الممر وتحويل أي مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية دولية، لكن المفارقة التي بدأت تتضح مع استمرار الحرب هي أن الورقة نفسها أخذت تنقلب تدريجياً على أصحابها، وأن مضيق (هرمز) الذي أرادت إيران استخدامه لإخضاع خصوها قد تحول إلى أكبر مصادر الضغط عليها، وتحولت الأمور وإيران الآن تبحث عن أساليب أخرى، حيث (هرمز) بدأ يفلت بعيداً عنها وتكبدت من أجل ذلك خسائر فادحة وبشكل إجمالي فإن خسائر إيران ككل أكثر من (270) مليار دولار، وفق البيانات الحكومية الإيرانية نفسها، وخسائر التصدير اليومية ما بين (70-195) مليون دولار يومياً فنتيجة تعطل الصادرات النفطية وغير النفطية، والتضخم اقترب من معدل 66 % مع قفزات حادة في أسعار الغذاء وأساليب المعيشة في إيران إضافة إلى آلاف المباني المدمرة، والجسور، والقواعد، والبنى التحتية.
أما الخسائر التي تتسارع بسبب الحصار والعقوبات الأمريكية فقد أدخلت إيران إلى مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية، وأصبحت واضحة المعالم على اقتصادها وعملتها وصلت إلى الهاوية، وتكمن أهمية هذه الخسائر في أن النفط ليس مجرد سلعة تصديرية، بل أحد أهم مصادر العملة الصعبة، وتمويل الانفاق العام، وكل انخفاض في عائداته يحد من قدرة البنك المركزي على توفير الدولار وتمويل الواردات، ودعم العملة، معنى ذلك أن التضخم في إيران في طريقه إلى القمة.. إلى غير ذلك من الخسائر التي لا تعد ولا تحصى، والفقر المُقدع الذي يبسط أذرعه على عموم أفراد الشعب إذ أن هنالك 4 من كل 10 إيرانيين في عداد الفقراء بسبب ما وصلت إليه إيران في الوقت الراهن.. فلماذا لا تعود المليشيات الإيرانية في الحرس الثوري عن غيها وتخبطها وتحفظ لإيران وشعب إيران حقوق العيش بسلام بعيداً عن التصرفات الهوجاء واستعداء جيران إيران، وكل العالم، وتكف عن تكليف أذرعها الخارجية بما لا تستطيع القيام به من عداء وجرائمهم ضد الإنسانية، وصرف مبالغ على هذه المليشيات بالمليارات إذ أن الشعب الإيراني كان أولى بها من هذه الميلشيات التي تصرف عليها من الخزينة الإيرانية، والشعب يعاني الأمرّين من فقر وجوع، وارتفاع في كل ما يخص البلد ومواطنيه..
على هذا الحال ستصبح إيران في القريب العاجل جداً دولة منبوذة، ولن تحقق أي مكسب في حربها مع أمريكا ولا في استعدائها لجيرانها وستندم على كل ما قامت به ضد دول الخليج ندماً لن تصلحه الأيام القادمة، طالما أن مليشيات الحرس الثوري هي من تحكم إيران.
وإن غداً لناظره قريب..