ناصر بن فريوان الشراري
تؤكد التطورات المتسارعة في جبهات اليمن أن القوات المسلحة التابعة للحكومة الشرعية انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها امتلاك زمام المبادرة وتوسيع نطاق الضغط الميداني على ميليشيات الحوثي، فبعد أن صدّت الاعتداء الحوثي على مواقعها في غرب تعز والساحل الغربي، تحركت بقوة وثبات، ودفعت بالتعزيزات، وأعادت ترتيب الجبهات، ثم شرعت في هجوم مضاد امتد من تعز والحديدة إلى الجوف ومأرب والبيضاء.
ما يجري ليس مجرد رد محدود على اعتداء عابر، بل تحول واضح في إدارة المعركة، الجيش اليمني لم يكتفِ بحماية مواقعه، وإنما نقل القتال إلى مواقع الميليشيا، واستعاد مرتفعات مهمة، وثبّت حضوره في الساحل الغربي، وفتح محوراً متقدماً في الجوف، بالتزامن مع إسناد جوي فاعل استهدف تجمعات الحوثيين وآلياتهم ومنصات إطلاقهم.
في غرب تعز، أثبتت القوات اليمنية قدرتها على حماية الطريق الاستراتيجي الرابط بين تعز والمخا، وأحبطت محاولة الميليشيا لعزل الساحل وتهديد المناطق القريبة من باب المندب، وجاءت استعادة نقيل وجبل الكورة في جبهة الكدحة لتمنح الشرعية مواقع مرتفعة ومؤثرة في محيط الطريق، وتؤكد أن الحركة الميدانية أصبحت تسير في اتجاه استعادة الأرض وتأمين خطوط الإمداد.
وبقاء المخا آمنة تحت سيطرة القوات الحكومية يمثل انتصاراً استراتيجياً يتجاوز حدود المدينة، فالمخا بوابة مهمة على البحر الأحمر، وحمايتها تعني حماية باب المندب من مشروع حوثي يسعى إلى تحويل الساحل اليمني إلى أداة لخدمة الأجندة الإيرانية وتهديد الملاحة الدولية، ومن هنا فإن نجاح القوات الشرعية في إفشال هذا المخطط يخدم سيادة اليمن، ويحمي أمن المملكة العربية السعودية، ويصون أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وعلى امتداد الساحل الغربي، عززت القوات الحكومية حضورها في حيس، وأعلنت تأمين المديرية وريفها، ثم واصلت الضغط شمالاً باتجاه الجراحي، وهذا التقدم يثبت أن جبهة الحديدة لم تعد ساحة يتحرك فيها الحوثي كما يشاء، بل أصبحت منطلقاً لتحركات الشرعية الهادفة إلى تضييق الخناق على مواقع الميليشيا واستعادة ما تبقى من المحافظة.
أما في الجوف، فقد حققت القوات اليمنية تحولاً مهماً بدخولها معسكر اللبنات شرقي الحزم ومواصلة عملياتها في محيطه، ويكتسب هذا التقدم أهميته من موقع المعسكر على محور يربط الجوف بمأرب وصنعاء وصعدة، فالسيطرة عليه تفتح المجال للضغط على خطوط إمداد الميليشيا، وتقرّب القوات الشرعية من الحزم، وتنقل الحوثيين من محاولة مهاجمة مأرب إلى الانشغال بالدفاع عن مواقعهم في عمق الجوف.
إن التقدم باتجاه الحزم يؤكد أن الجوف عادت إلى قلب معركة استعادة الدولة، وكل موقع تستعيده الشرعية في هذه المحافظة يضيّق المساحة المتاحة أمام المشروع الحوثي، ويحمي مأرب من الجهة الشمالية، ويفتح الطريق أمام عمليات أوسع تعيد ربط المحافظة بمؤسسات الجمهورية.
وفي مأرب، رسخت القوات الحكومية موقعها بوصفها الحصن الذي أسقط رهانات الحوثيين طوال سنوات، بقيت المدينة ومنشآتها الحيوية تحت راية الشرعية، وتحولت جبهاتها من موقع لتلقي الاعتداءات إلى قاعدة تنطلق منها عمليات الضغط على مواقع الميليشيا في الجوف والبيضاء، كما امتدت الضربات إلى تجمعات الحوثيين وتحركاتهم في المحاور الجنوبية والغربية، بما أفقدهم القدرة على تركيز هجماتهم في جبهة واحدة.
وجاءت مشاركة الطيران الحكومي لتضيف بعداً نوعياً إلى العمليات، فقد أسهمت الضربات الجوية في استهداف مواقع الحوثيين وتعزيزاتهم وآلياتهم ومنصات إطلاقهم في تعز والحديدة والجوف ومأرب والبيضاء، وعندما يتكامل الإسناد الجوي مع تقدم القوات البرية، تصبح الميليشيا محاصرة بين ضغط الأرض ودقة الضربات، وتفقد حرية الحركة التي اعتمدت عليها في نقل المقاتلين والسلاح بين الجبهات.
هذه التطورات تكشف عن تحسن واضح في التنسيق بين القوات المناهضة للحوثي، وعن قدرة أكبر على إدارة عدة جبهات في وقت واحد، وهذا هو المسار المطلوب لاستعادة الدولة: قيادة ميدانية فاعلة، وتكامل بين القوات البرية والجوية، وتأمين للمواقع المحررة، واستمرار للضغط حتى لا تحصل الميليشيا على فرصة لترتيب صفوفها من جديد.
أمام هذه الانتصارات، تتصاعد الدعوات إلى وقف القتال والعودة إلى الهدنة، غير أن أي دعوة تتجاهل من بدأ الاعتداء، وتطالب القوات الشرعية بالتوقف وهي تتقدم، تتحول عملياً إلى مكافأة للحوثي وإنقاذ له من نتائج مغامرته، اليمنيون يريدون السلام، والمملكة العربية السعودية دعمت كل مسار جاد لإنهاء الحرب، لكن السلام العادل لا يعني تجميد انتصارات الشرعية والإبقاء على سلاح الميليشيا خارج سلطة الدولة.
لقد سبق أن توقفت العمليات في الحديدة عام 2018 تحت ضغط دولي، وجاء اتفاق ستوكهولم بتعهدات لم تنهِ سيطرة الحوثيين ولم تُزل تهديدهم، وكانت النتيجة أن بقيت الميليشيا في مواقعها، واستمرت في استخدام الساحل لتهديد اليمن والمنطقة والملاحة الدولية، ولذلك لا ينبغي السماح بتكرار التجربة ذاتها كلما اقتربت القوات الشرعية من تحقيق تقدم حاسم.
الهدنة المقبولة هي التي تقود إلى استعادة الدولة، وتسليم السلاح الثقيل، وتأمين الطرق والموانئ، ووقف الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنهاء استخدام الأراضي اليمنية لتهديد السعودية والبحر الأحمر، أما هدنة توقف الجيش اليمني وتترك الحوثي محتفظاً بسلاحه ومواقعه، فليست طريقاً إلى السلام، بل تأجيل لجولة جديدة من الحرب.
إن دعم المملكة للشرعية اليمنية هو دعم للدولة والجمهورية ووحدة القرار اليمني، ووقوف في وجه مشروع إيراني يريد تحويل اليمن إلى منصة تهديد دائمة للمنطقة، وقد أثبت الميدان أن الجيش اليمني، حين تتوحد صفوفه ويحظى بالإسناد اللازم، قادر على حماية أرضه واستعادة المبادرة ودفع الميليشيا إلى التراجع.
المطلوب اليوم هو البناء على الانتصارات، وتوحيد القيادة، وتأمين المناطق المستعادة، وحماية المدنيين، وتحويل كل تقدم عسكري إلى حضور فعلي لمؤسسات الدولة، فالمعركة ليست من أجل موقع أو معسكر فحسب، بل من أجل إعادة اليمن إلى أبنائه، وتحرير قراره، وإنهاء سلطة السلاح التابعة للمشروع الإيراني.
الشرعية اليمنية اليوم هي صاحبة المبادرة، وجيشها يتقدم على أكثر من محور، والميدان يعيد رسم المعادلة لمصلحة الدولة، لذلك لا لهدنة تبدد الانتصارات، ولا لتسوية تكافئ الحوثي، ونعم، لمواصلة الطريق نحو يمنٍ آمنٍ موحدٍ تحكمه مؤسسات الجمهورية ويحميه جيشها الوطني.