د. طلال الحربي
لم تسقط الصواريخ الحوثية على المدن السعودية وحدها بل سقطت على الاقتصاد العالمي بأسره. حرائق في منشآت النفط والمرافق الحيوية، وبيانٌ من الأمم المتحدة يتراكم فوق بياناتٍ لا تعد ولا تُحصى. هذا المشهد المتكرر بوجوهٍ مختلفة وأسماء مدنٍ متجددة لم يعد يُقرأ في سياقه الإقليمي المحدود فحسب، بل بات يُفرض على الجغرافيا الاقتصادية الكونية بقسوة الأرقام قبل أن تُفرض بلغة الدم.
باب المندب، بوابة الدموع، هذا المضيق الذي لا يتجاوز عرضه ثمانية وعشرين كيلومتراً بين ساحل اليمن وجيبوتي، كان يمرّ عبره ما يقارب تسعة ملايين برميل نفط يومياً قبل أن تُطبق الميليشيا الحوثية قبضتها على مساراته، كما كان يعبره ما يقارب ربع إجمالي حركة الحاويات العالمية وما بين اثنى عشر وخمسة عشر بالمائة من التجارة البحرية الكونية. وحين تُهدّد ميليشيا بإغلاق هذا الشريان أو تُزعزع حركة السفن فيه بصواريخها ومسيّراتها الإيرانية الصنع، فإنها تُمسك بخناق الاقتصاد الأوروبي وسلاسل الإمداد الآسيوية وأسواق الطاقة في القارات الست.
التكلفة الحقيقية لهذا الإرهاب البحري ليست افتراضية: تقديرات المنتدى الدولي للنقل تُقدّر التكلفة الإضافية على التجارة العالمية بما بين خمسة عشر وعشرين مليار دولار سنوياً طالما استمر هذا التهديد، فضلاً عن أن معدلات الشحن على خطوط آسيا - أوروبا ارتفعت وثبتت عند مستويات تفوق مستويات ما قبل الأزمة بنسبة تتراوح بين خمسة وعشرين وأربعين بالمائة. أما تكاليف تأمين الحرب لرحلة سفينة واحدة تبلغ قيمتها مئة مليون دولار فقد بلغت ما بين سبعمائة ألف ومليون دولار لكل عبور واحد فحسب، وهو رقمٌ يُترجم في نهاية المطاف إلى ضريبةٍ خفية يدفعها المستهلك في برلين وطوكيو وواشنطن دون أن يعرف من يُجبيها منه.
تتصاعد حدة هذه الأزمة في سياقٍ دولي بالغ الهشاشة؛ فمضيق هرمز الذي كان يُمرّر في أحواله الطبيعية ما يزيد على واحد وعشرين مليون برميل نفطٍ يومياً، لم يتجاوز متوسطه في الربع الثاني من عام ستة وعشرين أربعة ملايين وتسعمائة ألف برميل فحسب بسبب تداعيات الحرب الإيرانية - الأمريكية، مما اضطر المملكة العربية السعودية إلى إعادة توجيه صادراتها النفطية عبر خط الأنابيب الشرقي - الغربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فارتفعت بذلك الكميات العابرة بشكل مضاعف عبر باب المندب. وهذا يعني ببساطة استراتيجية أن الميليشيا الحوثية باتت تجلس على صمّام أمانٍ لم تبنِه وليس من حقها الاستحواذ عليه، لكنها تُحرّكه بأمرٍ إيراني وأجندةٍ مُبرمَجة لا علاقة لها بأي مطلبٍ يمني مشروع.
كلّفت إعادة التوجيه حول رأس الرجاء الصالح الاقتصادَ العالمي ما يُقدَّر بسبعة إلى تسعة مليارات دولار كتكاليف شحن إضافية مرهقة خلال الفترة الممتدة من عام خمسة وعشرين إلى ستة وعشرين، وهو رقمٌ لا يشمل الخسائر المتولدة عن تأخر الإمدادات وتعطّل سلاسل التوريد وتضخم أسعار المستهلك، بل يزداد الأمر تعقيداً بسبب انحسار حركة السفن جراء هذا الإرهاب البحري. وبينما العالم يدفع هذه الفواتير المتراكمة، تتواصل الأمم المتحدة في إنتاج بياناتها الموسمية وتصدير قلقها المُعلَّب.
الأمم المتحدة، هذا الصرح الذي قام على أشلاء حربين كونيتين، تحوّل في هذه الأزمة إلى أرشيفٍ منظَّم للإدانات المنسية وسجلٍّ ضخم لاجتماعاتٍ لم تُنتج حلاً. يتحدثون عن القلق البالغ في اللحظة التي يجب أن يتحدثوا فيها عن المحاسبة الفورية، ويدعون إلى ضبط النفس في اللحظة التي يُجرّم فيها القانون الإنساني الدولي صراحةً استهداف المرافق المدنية والاقتصادية ويُصنّفه جريمةَ حرب لا تقبل المساومة. هذا النفاق السياسي المُؤدلَج والخذلانُ الدولي المُزمن يُشكّلان معاً بيئةً احتضانية تتغذّى عليها الميليشيا وتنمو في ظلالها جرأتها وصواريخها، إذ إن الإفلات المتكرر من العقاب لا ينتج سوى شيءٍ واحد: جرأةً متصاعدة وعدواناً مُضاعَفاً.
على المجتمع الدولي أن يختار اليوم بوضوحٍ لا تحتمله المجاملات الدبلوماسية: هل يتعامل مع الحوثيين باعتبارهم فاعلاً دولياً غير نظامي يستوجب المحاسبة القانونية الصارمة وتجفيف مصادر تسليحه الإيرانية، أم يستمر في دفع فواتيرهم الاقتصادية صامتاً ومُستسلماً؟ إن منظومة الأمن الجماعي التي أسسها ميثاق الأمم المتحدة عام تسعة وأربعين وتسعمائة وألف لا تستقيم في عالمٍ تُهدَّد فيه شرايين التجارة الكونية بصواريخ ميليشيا لا تعترف بالسيادة ولا بالقانون ولا بدماء المدنيين.
أما المملكة العربية السعودية، فإنها ليست دولةً تنتظر إذناً دولياً لتحمي مواطنيها. ما بنته القيادة الرشيدة من منظومة دفاعية متكاملة ومن عزيمةٍ استراتيجية راسخة لا يُعوِّل على حسن نية مَن أثبتوا سوء نيتهم مرةً بعد مرة. الناطق باسم التحالف أعلن بلا لبسٍ أن جميع الإجراءات العملياتية اللازمة ستُتَّخذ بأعلى درجات الحزم، وهذا في قراءته الاستراتيجية الدقيقة ليس تصعيداً انفعالياً، بل هو ممارسةٌ مشروعة لحق الدفاع عن النفس المكفول بالمادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة ذاتها. وإن دقّت طبولُ الحرب فنحن لها، ليس لأننا ننشدها بل لأن حماية كل مواطنٍ وكل مقيمٍ على هذه الأرض الطيبة أغلى وأعز من أن تُفاوَض عليها أو تُنتظر فيها موافقة البيانات الأممية الباردة.
ما أطالب به اليوم قبل أن تتحدث الميادين هو أن يتوقف المجتمع الدولي عن ممارسة ذلك النفاق المقنن الذي يُدين بلسانه ويُشجع بصمته. إن كانت منظومة الأمن الجماعي التي بنيناها بعد دمار الحرب العالمية الثانية تعني شيئاً فعلياً، فلتثبت اليوم أمام الكاميرات وليس في وثائق الأرشيف. وإن كانت لا تعني شيئاً سوى خطب الافتتاح في جلسات نيويورك، فليعلم العالم أن المملكة العربية السعودية قادرة على صون أمنها ومقدراتها وكل من يقيم على ترابها، بعزيمة لا تُفاوض وسيادةٍ لا تُساوم.