أنس تشكالا
نستيقظ كل صباح على صوتٍ ما، إشعار يصل إلى الهاتف، رسالة تنتظر الرد، خبر عاجل، مقطع جديد، موعد اقترب، ومهمة لم تنتهِ من الأمس. وقبل أن نفتح نافذة الغرفة لنرى العالم، نفتح شاشة صغيرة تخبرنا بما يحدث فيه.
يبدأ يومنا بالأصوات قبل أن يبدأ بالسكينة، وبالأخبار قبل أن يبدأ بالسؤال الأهم: كيف نحن؟ نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الصمت فراغًا، بل أصبح شيئًا نادرًا. كل لحظة قابلة لأن تمتلئ بشيء: موسيقى، حديث، صورة، خبر، نقاش، إشعار أو مقطع قصير. وإذا خلا المكان من الصوت، أسرعنا إلى الهاتف لنملأه. كأننا لم نعد نحتمل أن نبقى وحدنا مع أفكارنا طويلًا.
لكن وسط كل هذا الضجيج، هناك صوت آخر لا يملك إشعارًا ولا يطلب انتباهنا، ولا يرفع صوته كي نسمعه. إنه صوت الروح.
ذلك الصوت الذي يخبرنا أحيانًا بأننا ابتعدنا عن شيء كان ينبغي أن نبقى قريبين منه، أو أننا نركض كثيرًا في طريق لا نعرف لماذا اخترناه، أو أننا نملك أشياء كثيرة، لكن شيئًا في الداخل لا يزال يشعر بالنقص. صوت لا يظهر غالبًا في اللحظات الممتلئة، وإنما يأتي حين يهدأ كل شيء. ولهذا ربما لا تكون مشكلتنا دائمًا أننا لا نعرف الطريق، بل أننا لا نمنح أنفسنا ما يكفي من الصمت لكي نسمع صوتًا يدلنا عليه.
نحن بارعون في متابعة العالم من حولنا، لكننا أقل براعة في متابعة ما يحدث في داخلنا. نعرف ما الذي يحدث في مدن بعيدة، وما الذي قاله هذا الشخص أو نشره ذاك، ونتابع أخبارًا لا علاقة مباشرة لها بحياتنا، لكننا قد نمر بأيام طويلة دون أن نسأل: ماذا حدث لقلبي؟ متى آخر مرة جلسنا مع أنفسنا دون هاتف؟ متى منحنا أرواحنا دقائق لا نطلب منها فيها أن تنتج شيئًا، أو تتفاعل مع شيء، أو تثبت شيئًا لأحد؟
ربما لهذا يبدو الصمت مخيفًا أحيانًا. لأنه حين تتوقف الأصوات الخارجية، تبدأ أصوات أخرى بالظهور.
أسئلة أجلناها، مشاعر أخفيناها، أخطاء لم نعترف بها لأنفسنا، وأشياء كنا نعرف في أعماقنا أنها تحتاج إلى مراجعة، لكننا واصلنا الهروب منها بالانشغال. الضجيج لا يأتي دائمًا من الخارج. أحيانًا نصنع نحن ضجيجنا الخاص حتى لا نسمع أنفسنا. نملأ اليوم بالمواعيد، والهاتف، والعمل، والمحادثات، والتصفح، ثم نقول إننا لا نملك وقتًا للتأمل. وربما الحقيقة أن التأمل يحتاج إلى شيء أصعب من الوقت: يحتاج إلى شجاعة أن نلتقي بأنفسنا كما هي، لا كما نحب أن نظهرها.
وفي الحياة الروحية، لا يكون الصمت مجرد غياب للكلام، بل يمكن أن يكون حضورًا من نوع آخر. حين يصمت العالم قليلًا، يصبح القلب أكثر قدرة على الانتباه.
وحين تخف سرعة الحياة، تصبح بعض المعاني التي كانت مختبئة في زحام الأيام أكثر وضوحًا. لهذا كانت لحظات الخلوة والتأمل والمناجاة ذات قيمة خاصة في حياة الإنسان؛ لأنها تعيد ترتيب المسافة بينه وبين نفسه، وبين نفسه وربه. فالروح، مثل الجسد، تحتاج إلى غذاء، لكنها لا تتغذى بالامتلاء المستمر، وإنما تحتاج أحيانًا إلى الفراغ الذي يسمح لها بالتنفس.
قد يملك الإنسان كل وسائل الراحة، ومع ذلك يشعر بالتعب. وقد يصل إلى ما كان يظنه غايته، ثم يكتشف أن الوصول وحده لم يمنحه السكينة. وقد يحيط نفسه بعشرات الأشخاص، لكنه يظل عاجزًا عن الشعور بالقرب الحقيقي. لأن بعض أنواع التعب لا يعالجها النوم. وبعض أنواع الوحدة لا يعالجها كثرة الناس. وبعض أنواع الفراغ لا يملؤها المزيد من الأشياء.
هناك احتياجات لا يعرفها إلا القلب. ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في زمن السرعة أن نستعيد بين حين وآخر حقنا في الصمت. أن نغلق الهاتف قليلًا، ونترك الأخبار تنتظر، والمحادثات تؤجل، والشاشة تنطفئ. أن نجلس في مكان هادئ، لا لنفكر في كيفية الظهور أمام الآخرين، بل لنسأل أنفسنا كيف نحن حقًا.
أن نقرأ شيئًا يوقظ أرواحنا، لا شيئًا يملأ وقتنا فقط. أن ندعو الله دون أن نشعر أننا نؤدي مهمة أخرى في قائمة اليوم. أن نمشي قليلًا بلا سماعات، ونترك للسماء والهواء والطريق فرصة لأن تكون حاضرة في وعينا.
قد تبدو هذه الأشياء صغيرة أمام إيقاع العالم، لكنها ربما ليست صغيرة بالنسبة إلى روحٍ أنهكها الامتلاء. فنحن لا نحتاج دائمًا إلى المزيد من الكلام. أحيانًا نحتاج إلى أن نصمت بما يكفي لكي نفهم ما يحدث في داخلنا.
وليس المقصود أن ننسحب من العالم. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج العالم، ولا ينبغي له ذلك. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح العالم حاضرًا فينا طوال الوقت، بينما لا نترك لأنفسنا مساحة نكون فيها نحن فقط. أن نعيش في العالم شيء، وأن نسمح للعالم بأن يسكن في داخلنا دون توقف شيء آخر. ربما نحتاج إلى أن نضع حدودًا للضجيج، لا لأن كل ما حولنا سيئ، بل لأن الروح لا تستطيع أن تسمع وسط الأصوات كلها في الوقت نفسه.
هناك أشياء لا تأتي إلا في الهدوء: فكرة صادقة، وندم نحتاج إلى مواجهته، نعمة نكتشف أننا لم ننتبه إليها، طريق نكتشف أننا ابتعدنا عنه، وشعور عميق بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم مهما بدا لنا ذلك. وربما لهذا لا تكون السكينة غياب المشكلات، وإنما القدرة على أن نجد في داخلنا مكانًا لا تصل إليه كل ضوضاء الخارج.
في النهاية، سيستمر العالم في الكلام. ستصل الأخبار، وستتجدد الصور، وستظهر المقاطع، وستزدحم المواعيد، وسيظل هناك دائمًا شيء جديد يطالبنا بأن نراه ونسمعه ونتفاعل معه.
لكن الروح لا تصرخ، إنها تنتظر، تنتظر لحظة نخفض فيها صوت العالم قليلًا، ونلتفت إليها. فربما لا نحتاج في هذه الحياة إلى أن نسمع أصواتًا أكثر، بقدر ما نحتاج إلى أن نسمع الصوت الذي كنا نعرفه في أعماقنا، ثم أضعناه وسط الضجيج. وربما كانت بعض أجمل لحظاتنا تلك التي لا يحدث فيها شيء في الخارج، لكن شيئًا مهمًا يحدث في الداخل. فبين ضجيج العالم وصوت الروح، نحتاج أحيانًا إلى أن نختار الصمت... لكي نسمع.