حذامي محجوب
ليس ما يحدث في العالم العربي اليوم، مجرد سلسلة من الأزمات المتجاورة، ولا مجرد حروب تتغير خرائطها من عاصمة إلى أخرى، وإنما هو شيء أكثر عمقا وخطورة: المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة يعاد فيها تعريف الأمن والقوة والنفوذ، وتختبر فيها الدول قدرتها على حماية مصالحها في عالم لم تعد فيه الحدود وحدها كافية لحماية الدول، ولا التحالفات القديمة قادرة وحدها على ضمان الاستقرار.
في الوقت الذي ما تزال فيه غزة تحمل الجرح الأكبر في الوعي العربي، يظل مستقبل القضية الفلسطينية مفتوحا على احتمالات شديدة الحساسية، عاد اليمن إلى واجهة المشهد بقوة، بعدما تصاعدت الهجمات الحوثية على مدن ومنشآت في جنوب المملكة العربية السعودية، في تطور يهدد بتحويل البحر الأحمر وممراته الإستراتيجية إلى ساحة جديدة من ساحات المواجهة الإقليمية.
أسفرت هجمات الثامن من سبتمبر عن إصابة 73 شخصاً واستهدفت منشآت للطاقة ومواقع حيوية في جنوب المملكة، قبل أن تتواصل الهجمات في اليوم التالي.
لكن قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد جولة جديدة من الحرب اليمنية ستكون قراءة ناقصة. فاليمن لم يعد ملفا محليا، كما أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي بعيد عن قلب الخليج.
إن الجغرافيا نفسها تغير دلالتها السياسية. باب المندب وهرمز والبحر الأحمر والخليج أصبحت حلقات متصلة في منظومة واحدة للأمن الإقليمي والعالمي، وأي اضطراب في إحداها يمكن أن ينتقل سريعا إلى الأخرى، بما ينعكس على الطاقة والتجارة والتأمين وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. وهنا تكمن أهمية اللحظة التي تعيشها السعودية.
فالمملكة لا تواجه تهديدا أمنيا منفصلا عن بقية المنطقة، وإنما تجد نفسها في قلب معادلة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حماية السيادة الوطنية مع أمن الطاقة وأمن الملاحة وأمن البحر الأحمر واستقرار الخليج. وليس مصادفة أن تأتي الهجمات الأخيرة على منشآت حيوية في وقت بلغت فيه المخاطر المحيطة بمضيق هرمز مستويات غير مسبوقة، مع اضطراب حركة ناقلات النفط وارتفاع أسعار الخام وتزايد المخاوف بشأن مستقبل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
إن هرمز اليوم ليس مجرد مضيق جغرافي، بل أصبح اختبارا لمفهوم الأمن الدولي نفسه، فعندما تتعرض حركة الملاحة في ممر يحمل نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية للاضطراب، فإن المسألة لا تبقى شأنا إيرانيا أو خليجيا، ولا تتحول إلى قضية أمريكية فقط، بل تصبح قضية عالمية.
ما يحدث هناك يثبت مرة أخرى أن أمن الخليج ليس شأنا إقليميا ضيقا، وأن استقرار المملكة ودول الخليج جزء من استقرار الاقتصاد العالمي.
لكن الأخطر من الصواريخ والطائرات المسيّرة هو أن تتحول المنطقة إلى فضاء دائم لعدم اليقين.
فالاقتصاد لا يخشى الحرب وحدها، وإنما يخشى عدم القدرة على توقع الحرب. الاستثمار لا يهرب فقط من الخطر، بل يهرب من الغموض الطويل.
والأسواق تستطيع التعامل مع أزمة محددة بقدر ما تستطيع تقدير مدتها وكلفتها، لكنها تصبح أكثر اضطرابا عندما تتحول الأزمات إلى حالة دائمة لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي، وهذا بالضبط ما يجعل أمن الخليج اليوم مختلفا عما كان عليه قبل سنوات.
لقد أصبحت التهديدات عابرة للحدود، وأصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ والمسيرات البحرية أدوات قادرة على تجاوز المسافات، فيما تستطيع جماعات مسلحة محدودة الموارد أن تؤثر في حركة التجارة وأسعار الطاقة وحسابات القوى الكبرى.
ولم يعد التفوق العسكري التقليدي وحده كافيا لإدارة هذه البيئة، لأن الحرب الحديثة أصبحت حربا على البنية التحتية، وعلى الاقتصاد، وعلى الثقة، وعلى قدرة الدولة على مواصلة حياتها الطبيعية تحت الضغط.
ومن هنا يمكن فهم السياسة السعودية الجديدة بوصفها أوسع من مفهوم الرد العسكري.
فالمملكة التي بنت خلال السنوات الأخيرة قوة اقتصادية وتنموية ودبلوماسية متصاعدة، تدرك أن حماية المستقبل لا تكون بإبقاء الدولة في حالة استنفار دائم، وإنما ببناء قدرة تجعلها أكثر استقلالا في قرارها وأكثر تنوعا في خياراتها وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات. ولذلك تبدو رؤية المملكة للأمن مرتبطة بصورة متزايدة بالتنمية، والاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات، وتعزيز المكانة الدولية، وليس فقط بالقدرات العسكرية.
لقد تغيرت السعودية، ولذلك تغيرت أيضا طريقة قراءتها للمنطقة، لم تعد المملكة تنظر إلى قوتها من زاوية عسكرية محضة، وإنما من خلال منظومة متكاملة تجمع السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والطاقة والمكانة الدولية.
وهذه المعادلة تمنحها قدرة أكبر على الحركة في عالم شديد التقلب، وتفسر لماذا أصبحت الرياض طرفا لا يمكن تجاوز دوره عند البحث عن أي صيغة جديدة للأمن الإقليمي.
وفي المقابل، يكشف اليمن مرة أخرى عن الوجه الآخر للأزمة العربية: هشاشة الدولة عندما تتحول أراضيها إلى ساحة تتنافس فيها مشاريع إقليمية مختلفة.
فكلما ضعفت الدولة، أصبح الفراغ السياسي والأمني مساحة مفتوحة أمام الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية، وكلما طال أمد الحرب أصبح من الصعب إعادة بناء الدولة على أسس وطنية جامعة.
وهذا الدرس لا يخص اليمن وحده. فالسودان يقدم صورة أكثر مأساوية لهذه الحقيقة. الحرب التي دخلت عامها الرابع بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد صراع داخلي على السلطة، وإنما أصبحت نموذجا واضحا لما يحدث عندما تتداخل الحرب الأهلية مع الدعم الخارجي والتكنولوجيا العسكرية الحديثة. وقد أشار تقرير حديث لبعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن الدعم العسكري الخارجي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والأسلحة والكوادر والشبكات اللوجستية، يساهم في استمرار الحرب وتفاقم معاناة المدنيين، فيما تجاوز عدد النازحين 14 مليونا.
السودان هنا ليس مأساة سودانية فحسب. إنه إنذار عربي. فالدول لا تسقط دائما عندما تهزم عسكريا، قد تسقط عندما تفقد قدرتها على احتكار قرارها، وعندما تتحول أراضيها إلى مساحة لتصفية الحسابات بين قوى أخرى. وعندما يصبح السلاح الخارجي أكثر تأثيرا من المؤسسات الوطنية، فإن الحرب تتحول من صراع يمكن أن ينتهي بتسوية سياسية إلى منظومة مصالح تستفيد من استمرار الصراع.
ولذلك فإن السؤال العربي الحقيقي ليس فقط : كيف نوقف الحرب في السودان؟ أو كيف نعيد الهدوء إلى اليمن؟ أو كيف نحمي الملاحة في البحر الأحمر؟.
بل: كيف نمنع المنطقة من إنتاج حروب جديدة؟.
وهنا تعود القضية الفلسطينية إلى قلب المشهد.
غزة ليست أزمة منفصلة عن التحولات التي تشهدها المنطقة. فما يجري هناك أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز السياسة الدولية، لكنه كشف في الوقت نفسه حجم المخاطر التي يمكن أن تنتج عندما تصبح فكرة الدولة الفلسطينية نفسها موضع صراع، وعندما تتكرر الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم.
وفي الأسابيع الأخيرة عادت شخصيات من اليمين الإسرائيلي إلى طرح أفكار تتعلق بإخراج الفلسطينيين من غزة، بالتزامن مع الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ولهذا فإن أي حديث عن نظام إقليمي جديد من دون فلسطين سيكون حديثا ناقصا. فلا يمكن بناء استقرار دائم في الشرق الأوسط على أساس تجاهل القضية التي ظلت لعقود أحد أهم مصادر عدم الاستقرار في المنطقة. ولا يمكن أن يكون الأمن العربي مجرد حماية للممرات والمنشآت، بينما تبقى جذور الصراع الفلسطيني بلا حل سياسي عادل.
لكن ما تغير أيضا هو أن العرب لم يعودوا أمام المشهد الدولي نفسه الذي عرفوه قبل عقد أو عقدين. العالم يتجه بسرعة نحو تعددية أكبر في مراكز القوة.
الولايات المتحدة ما تزال قوة كبرى لا يمكن تجاوزها، لكن الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى أصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً، فيما تبحث الدول العربية عن مساحة أوسع للحركة بدل الارتهان الكامل إلى محور واحد.
وهذا التحول يفرض على العرب سؤالا مختلفا عن أسئلة الماضي: هل نريد أن نكون جزءًا من النظام الدولي الجديد، أم مجرد ساحات تتنافس فيها القوى الكبرى؟.
إن الإجابة تبدأ من إدراك أن القوة العربية ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف.
القوة لا تعني فقط الجيوش، ولا تعني فقط حجم الاقتصاد، ولا تعني فقط عدد السكان. القوة في القرن الحادي والعشرين هي قدرة الدولة على حماية قرارها، وتأمين حدودها، وتنويع شراكاتها، وإدارة أزماتها، وحماية اقتصادها، والاستثمار في التكنولوجيا، وبناء تأثير دبلوماسي يتجاوز حدودها.
وفي هذا السياق تبدو التجربة السعودية ذات ميزة، ودلالة خاصة. فالمملكة تتحرك في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، لكنها في الوقت نفسه تبني مشروعا داخليا واسعا يريد أن يجعل الاقتصاد أقل اعتمادا على مصدر واحد، ويضع التكنولوجيا والاستثمار والمعرفة والسياحة والثقافة في قلب المستقبل.
وهذه ليست تفاصيل اقتصادية منفصلة عن السياسة الخارجية، بل جزء من مفهوم جديد للقوة الوطنية.
فالدولة التي تريد أن تكون مؤثرة في محيطها لا يكفي أن تمتلك القدرة على الرد على التهديدات، عليها أن تمتلك أيضا القدرة على صناعة البدائل. وهذا ربما هو الفارق الأهم بين إدارة الأزمات وصناعة المستقبل.
إدارة الأزمة تعني أن ننتظر الصاروخ كي نرد عليه، أو أن ننتظر انهيار الدولة كي نبحث عن تسوية، أو أن ننتظر إغلاق الممر البحري كي نكتشف أهميته. أما صناعة المستقبل فتعني أن نفكر قبل الأزمة: كيف نحمي الممرات؟ كيف نعزز أمن الطاقة؟ كيف نبني شراكات إقليمية؟ كيف نمنع تفكك الدول؟ كيف نستثمر في التكنولوجيا؟ وكيف نجعل التنمية نفسها جزءا من منظومة الأمن؟.
العالم العربي أمام لحظة من هذا النوع.
فالخرائط القديمة لم تعد تفسر كل شيء. الحدود ما زالت قائمة، لكن الصراعات تتجاوزها. والدول ما زالت صاحبة السيادة، لكن جماعات إرهابية مسلحة تستطيع أن تهدد اقتصادا إقليميا.
والمضائق البحرية تبدو صغيرة على الخريطة، لكنها قادرة على تحريك أسعار النفط في العالم. والطائرة المسيّرة التي قد تكلف أقل بكثير من منظومة الدفاع التي تتصدى لها تستطيع أن تفرض على الدولة حسابات استراتيجية ضخمة.
وهذا يعني أن الأمن العربي لم يعد يمكن اختزاله في مفهوم «أمن الحدود». لقد أصبح أمنًا شاملا: أمن الدولة، وأمن الطاقة، وأمن الغذاء، وأمن الملاحة، والأمن السيبراني، والأمن الاقتصادي، والأمن المجتمعي، والأمن السياسي.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية التي تواجه العالم العربي ليست معركة عسكرية فقط، وإنما معركة على شكل المنطقة التي ستخرج من هذه المرحلة. هل تخرج أكثر انقساما، وأكثر اعتمادا على القوى الخارجية، وأكثر قابلية لإنتاج الحروب؟
أم تخرج أكثر إدراكا لمصالحها، وأكثر قدرة على بناء توازناتها، وأكثر إيمانا بأن استقرار الدول العربية هو مصلحة مشتركة؟.
السؤال لم يعد ترفا فكريا.
فاليمن والسودان وغزة ولبنان وسوريا والعراق وليبيا والصومال، بدرجات مختلفة، تكشف أن الأزمات عندما تطول تتحول إلى بيئات لإعادة إنتاج نفسها. وكلما تأخرت الدولة الوطنية عن استعادة دورها، وجد لاعب آخر طريقه إلى الفراغ.
لهذا تحتاج المنطقة إلى انتقال حقيقي من سياسة « إطفاء الحرائق « إلى سياسة منع الحرائق.
وهنا يمكن للسعودية أن تؤدي دورا أكبر. ليس لأنها مطالبة بحمل أعباء المنطقة كلها، فهذا ليس منطقيا ولا ممكنا، وإنما لأنها تملك من الثقل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي ما يجعلها قادرة على الدفع باتجاه مقاربة عربية أكثر تماسكا. فالقوة السعودية اليوم لا تقوم على عامل واحد، بل على تراكم عناصر متعددة تجعل الرياض واحدة من أهم العواصم القادرة على التأثير في صياغة المرحلة المقبلة.
والرسالة الأهم التي تفرضها التطورات الراهنة هي أن العرب لا يستطيعون بناء أمنهم بالاعتماد على ردود الأفعال وحدها.
عليهم أن يقرروا ما الذي يريدون حمايته، وما الذي يريدون بناءه، وما نوع النظام الإقليمي الذي يريدون العيش فيه.
فالمنطقة التي تتحكم في جزء أساسي من الطاقة العالمية، وتشرف على أهم الممرات البحرية، وتمتلك ثقلا بشريا وثقافيا واقتصاديا هائلا، لا ينبغي أن تبقى مجرد مسرح لصراعات الآخرين.
لقد طال زمن السؤال: من سيسيطر على المنطقة؟.
وربما حان وقت سؤال آخر أكثر أهمية:
من سيملك القدرة على صناعة توازنها؟.
في الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد ملامح العالم العربي في السنوات المقبلة.
ولن يكون المنتصر بالضرورة هو من يملك أكبر عدد من الصواريخ، وإنما من يملك القدرة على الجمع بين القوة والاقتصاد والدبلوماسية والاستقرار والتنمية، ومن يستطيع أن يحول موقعه الجغرافي من نقطة ضعف إلى مصدر قوة، وأن يحول أزماته من عبء دائم إلى فرصة لإعادة بناء النظام الإقليمي.
العرب اليوم في قلب العاصفة، نعم.
لكن العاصفة ليست قدرا.
والمرحلة الجديدة لم تُكتب فصولها كاملة بعد.
وما يزال للعرب، إذا أحسنوا قراءة اللحظة، أن ينتقلوا من موقع من يتلقى نتائج التحولات الدولية إلى موقع من يشارك في صناعتها.
وربما تكون هذه هي المعركة الأهم التي تنتظر المنطقة: ألا تخرج من الفوضى إلى فوضى جديدة، بل من الفوضى إلى نظام عربي أكثر قدرة على حماية دوله ومصالحه ومستقبله.