د. غالب محمد طه
قبل أيام، كنت أقرأ مسودة كتاب «الابتكار المتكامل في السعودية» للدكتورة منى عبد الرحمن، وتوقفت عند فكرة ظلت عالقة في ذهني: الابتكار لا يعني أن نضيف تقنية جديدة إلى الخدمة، وإنما أن نعيد التفكير في الطريقة التي نقدم بها هذه الخدمة للإنسان.
في الكتاب، بدت الفكرة واضحة في تناولها لتطور خدمات الحج والعمرة؛ فالتقنية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة لفهم احتياجات الناس بصورة أفضل، والتعامل معها بطريقة أكثر كفاءة وإنسانية.
أغلقت المسودة، ولم أفكر كثيرًا في الأمر، حتى تابعت أعمال المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي استضافته دار الإفتاء المصرية في القاهرة، تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية». عندها شعرت أن هناك خيطًا يربط بين الأمرين.
المؤتمر لم يتعامل مع الأسرة باعتبارها مشكلة تظهر ثم تبحث المؤسسات عن إجابة لها، بل طرح فكرة لافتة: الانتقال من «الفتوى بعد وقوع الأزمة» إلى الإرشاد قبل وقوعها، ومن معالجة النتائج إلى محاولة فهم الأسباب ومقدمات المشكلة.
وهذا، في تقديري، أكثر من مجرد تغيير في طريقة تقديم الفتوى؛ إنه تغيير في طريقة تفكير المؤسسة نفسها.
هل ننتظر المشكلة حتى تقع، أم نستطيع أن نراها وهي تتشكل؟
في إحدى أوراق المؤتمر، طُرحت فكرة توظيف الخوارزميات للتنبؤ بمآلات العلاقة الزوجية. تبدو الفكرة، للوهلة الأولى، شديدة الجرأة، لكنها تكشف جانبًا مهمًا من التحول الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي على المؤسسات الدينية والاجتماعية.
فالخوارزمية يمكن أن تحلل مجموعة كبيرة من البيانات والمؤشرات، وتقدم إشارات تساعد المختص على رؤية أنماط قد يصعب ملاحظتها بالعين المجردة. لكنها لا تتحول بذلك إلى مفتٍ، ولا يصبح التنبؤ حكمًا على مستقبل الأسرة.
وهنا تظهر الحدود التي ينبغي ألا نتجاوزها.
دور التقنية ليس أن تتخذ القرار، بل أن توسع مجال الرؤية أمام من يتخذه.
وظهر الاتجاه نفسه في طرح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تسوية المنازعات الأسرية؛ بحيث تساعد في تقديم المشورة أو دعم الوساطة، مع بقاء القرار النهائي في يد الإنسان المؤهل.
من هنا اتضح لي أن الكتاب والمؤتمر يلتقيان عند نقطة أوسع من التقنية نفسها: فالابتكار الحقيقي يبدأ عندما نستخدم المعرفة والتقنية والخبرة الإنسانية لإعادة تصميم الخدمة، لا عندما نضيف إليها أداة جديدة فحسب. وهذا المعنى حاضر أيضًا في بعض تجارب التحول الرقمي الحديثة، حيث لم يعد الهدف مجرد تسريع الخدمة، بل استباق احتياجات المستفيد قبل أن يطلبها.
وفي المجال الأسري والإفتائي يمكن أن تأخذ الفكرة بعدًا أكثر حساسية. فإذا كانت المؤسسات تستطيع أن تستخدم البيانات لفهم احتياجات الناس، فمن الممكن أن تستخدم المعرفة المتراكمة والبحث والتقنيات الحديثة لفهم مقدمات بعض الأزمات قبل أن تصل إلى مرحلة النزاع أو طلب الفتوى.
وهذا هو الجانب الذي استوقفني في مخرجات المؤتمر.
لم تتوقف الفكرة عند النقاش النظري، بل ظهرت في مشروعات وأدوات مقترحة، مثل منصة «سكن» التفاعلية للأسرة، و«الأطلس الإفتائي للتحديات الأسرية»، والميثاق الإسلامي للاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي داخل الأسرة، إلى جانب وحدات للرصد ومراكز متخصصة في شؤون الأسرة.
كما أن توصيات المؤتمر لم تكتفِ بالدعوة إلى تنفيذها، بل شددت على أن تتحول إلى برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة وقياس الأثر.
وهنا تصبح المسألة أكبر من الذكاء الاصطناعي.
نحن أمام تحول في فلسفة العمل المؤسسي: من انتظار المشكلة إلى محاولة فهم ما يسبقها، ومن الاستجابة للسؤال إلى البحث عن الأسباب التي جعلت السؤال يظهر أصلًا. لكن هذا الطريق يحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية.
فالبيانات الأسرية شديدة الحساسية، والخطأ في تفسيرها قد يؤدي إلى وصم أو تصنيف أو تدخل في حياة الناس قبل أوانه. كما أن التنبؤ، مهما بلغت دقته، يظل احتمالًا لا قدرًا محتومًا.
لذلك لا أظن أن المستقبل سيكون في أن تستبدل المؤسسات الإنسان بالآلة. المستقبل، على الأرجح، في أن تجعل الآلة الإنسان أكثر قدرة على الرؤية، وأكثر استعدادًا للتدخل في الوقت المناسب.
وعندما عدت في ذهني إلى مسودة «الابتكار المتكامل في السعودية»، وجدت أن الفكرة التي بدأت منها القراءة اتسعت أمامي: الابتكار ليس فقط أن نحسن الاستجابة لحاجة الإنسان، بل أن نفهمها في وقت مبكر، وأن ننتبه إلى ما قد يسبقها.
عندها يصبح الابتكار أكثر من تقنية، وتصبح الفتوى أكثر من إجابة.
فبعض الأزمات لا تحتاج إلى فتوى أسرع.
ربما كانت تحتاج فقط إلى أن نراها أبكر.