د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الحياة هي ما يحدث لك بينما أنت مشغول بوضع خطط أخرى»
-جون لينون- موسيقي وكاتب بريطاني
*****
وصلت الطائرة إلى مطار «أبوظبي» متأخرة، وقبل أن أستوعب التأخير، جاء الخبر: رحلة «بالي» قد أقلعت، وأن علينا الانتظار في الفندق إلى الغد.
لم يكن أمامي سوى خيارين: الأول أن أسافر إلى «بالي» عن طريق «سنغافورة» فأصل مساء الغد، والثاني عن طريق «الهند» فأصل في اليوم التالي وقت الظهر، فيما كان الوقت الذي سأقضيه في الطائرة متساوياً تقريباً.
في لحظة واحدة انهارت الخطة التي رتبتها في رأسي، وبدأ العقل يبحث سريعاً عن خطة بديلة، لكني كنت هادئة، أردد: «ماذا أفعل يا ربي حين تسير الأمور بغير ما خططت؟ دبرني فإني لا أحسن التدبير»، بهدوء اخترت السفر إلى «الهند» حتى أصل إلى «بالي» بشكل أسرع، لم أكن قد ذهبت إلى الهند في حياتي أو زرت مطارها، ومع ذلك وافقت من دون أن أعير اهتماماً كبيراً لذلك الصوت الذي يسألني: هل اخترت القرار الصحيح؟ فقد تدربت على استشعار اليقين والتسليم فيما لا أستطيع التحكم به.
وصلت مطار «دلهي» انتظاراً لرحلتي إلى «بالي» كان المطار متواضعاً، وطريقة الحصول على الاتصال بشبكة الإنترنت لم تكن تشبه أي مطار زرته من قبل؛ إذ كان عليّ التوجه إلى جهاز معقد للحصول على المساعدة، ومع ذلك لم ألم نفسي للحظة لأنني لم أختر السفر عبر «سنغافورة»، وكنت أردد: أعطني يا رب الحكمة مما يحدث، فكل ما تكتبه لنا فيه الخير كل ذلك لم يعد مهماً أمام ما قالته لي الموظفة: «لم تصل حقائبك إلى مطار دلهي» وبجانبي رجل بريطاني وابنه، لمحتهما معي في الطائرة حين غادرنا «مانشستر» إلى «أبو ظبي»، كانت هذه اللحظة مربكة: هل سأفقد الرحلة؟ وأين ذهبت حقائبي؟ هل ما زالت في «أبو ظبي» أم سبقتني إلى «بالي»؟ كانت الأسئلة تتوالى في رأسي، فيما رأيت الرجل وابنه يستلمان حقائبهما.
تذكرت «ابن بطوطة» حين قرر السفر للهند، واختياره لطريق آخر غير المخطط له ليصل إلى الهند بعد عام من الموعد!
كم مرة اضطر المسافرون منذ القدم إلى تغيير طرقهم لأن الطريق الأول لم يعد متاحاً؟
يبدو أن السفر يعلّم الإنسان أن الوجهة قد تكون معلومة، لكن الطريق إليها ليس مضموناً.
تجربتي لا تضاهي المخاطر التي واجهها الرحالة قديماً، فالزمن تغيّر، لكن المسافر أحياناً يكتشف أن الطريق الذي رسمه ليس هو الطريق الذي سيصل به. وليست الشجاعة أن تتخذ القرار فقط، بل أن تستفتي قلبك ثم تسلّم لله ما لا تملكه.
الغريب لم يكن تأخر الطائرة ولا تبدل الخطة، بل هدوئي.
كنت أعرف نفسي في مواقف أقل تعقيداً: قلق، وحسابات سريعة، ومحاولات لاستعادة السيطرة. ربما أسهمت ممارستي لليوغا في أن أتحرك هذه المرة من خيار إلى آخر بهدوء، وربما كان في الأمر شيء آخر يتشكل داخلي. ربما كانت الرحلة تختبر قدرتي على ترك السيطرة قبل أن تعلمني أي شيء آخر.
ربما كان هذا نضجاً، وربما إرهاقاً، وربما ثقة بأن الحل سيظهر.
كل شيء حولي كان يدعوني إلى القلق، لكنني للمرة الأولى تقريباً لم أستجب للدعوة.
وبعد أن أمضيت يومين بين ساعات طويلة في الطائرات والمطارات، وصلت أخيراً إلى مطار «بالي» كان كل شيء منظماً، واستقللت السيارة التي ستوصلني إلى المنتجع الذي كان في شبه جزيرة اسمها «نوسا دوا» جميلاً، يطل على البحر. بدت لي الليلة الأولى كأنها خروج من كهف بعد رحلة طويلة.
هنا فهمت أن الهدوء لا يأتي دائماً لأننا نضمن النتيجة؛ أحياناً يأتي من إدراك أننا لم نعد نملكها، وأن أقصى ما نستطيع فعله هو أن نأخذ بالأسباب، ثم نترك ما لا نستطيع التحكم فيه لله.
واكتشفت أن التسليم لا يعني أن أعرف أن الأمور ستسير كما أريد، بل أن أكون بخير حتى وأنا لا أعرف كيف ستسير.