عوض علي أحمد الطالبي
في زمنٍ تضخمت فيه الخطبُ وتزاحمت العباراتُ الرنانة، لم يعد الكلامُ مقياساً للحقيقة؛ فالكلماتُ تظلُّ طافيةً على السطح، قابلةً للتشكيل والتلوين بحسب الغاية، ولكن حين تشتدُّ المحنُ وتغيبُ الأضواء، تسقطُ الأقنعةُ ويبقى السلوكُ وحده الشاهدَ العادلَ على معدن الإنسان.
إنَّ جملة «المواقف لا تكذب وإن كذبت الوعود» ليست مجرد حكمةٍ نرددها عند الخيبة، بل هي قانونٌ اجتماعي صارم؛ فالوعود بطبيعتها شيكاتٌ مؤجلةٌ تُصرف في مستقبلٍ مجهول، أما المواقفُ فهي النقدُ الحاضرُ الذي يكشف القيمة الفعلية لأي علاقة.
سحر الكلام وفخ المجاملة
الوعدُ لا يكلف صاحبه سوى تحريك الشفتين، ويمنح قائله مكافأةً فورية: رضا السامع وتصفيقه دون عناء الفعل. لذلك يُسرف البعضُ في إطلاق الوعود في العلاقات والعمل والسياسة، لا حباً في الوفاء، بل هروباً من استحقاق الحاضر وكسباً للوقت. والمشكلةُ تكمنُ في أن الوعد - حين لا يُنفّذ - يتحول من جسرٍ للثقة إلى أداةٍ لهدمها. وخيبة الوعد الكاذب أشد إيلاماً من الصراحة الجافة؛ لأنه يجعلك تبني خططك على أرضٍ هشة سرعان ما تنهار.
كم من صديقٍ أسمعك معسول الكلام، وعندما احتجته وجدت هاتفه مغلقاً؟ وكم من زميلٍ لم يعدك بشيء، لكنه كان أول من طرق بابك في أزمتك؟ هنا يظهر الفرق الجوهري بين من يتقن لغة اللسان ومن يتقن لغة الفعل.
المحكُّ في لحظات الضغط
تُصنع الوعود في مناطق الراحة، أما المواقف فتُصقل في أتون الضغط. ففي الأزمات المالية والعاطفية والمهنية، تتراجع لغة الكلام لتفسح المجال للغة السلوك. الموقفُ هو الثباتُ حين يكون الهروبُ أسهل، والدعمُ حين يكون الصمتُ أقلَّ تكلفة. ولأنه يتطلب ثمناً من الوقت والجهد والتضحية، فإنه يمتلك قوة إثباتٍ لا تقبل الشك.
وهذا القانون لا ينطبق على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى المؤسسات؛ فالشركة قد تنفق الملايين على وعودٍ تسويقية براقة، لكن ولاء العميل لا يُبنى إلا بموقفٍ صادقٍ واحد عند حدوث مشكلةٍ في المنتج. والقيادي الذي يكتفي بالرؤى الوردية دون أن يدافع عن فريقه ويوفر له الموارد، يفقد شرعيته سريعاً مهما بلغت فصاحته.
كيف نستعيد البوصلة؟
حتى لا نستنزف أعمارنا في انتظار السراب، علينا أن نغير طريقة تقييمنا للأشياء والناس، وذلك بالتعامل مع الوعود كنيةٍ حسنة فقط لا كحقيقةٍ يُبنى عليها، ومراقبة السجل السلوكي التاريخي بدلاً من الكلمات، فمن اعتاد التنصل من التزاماته الصغيرة لن يفي بالكبيرة، إضافة إلى تقدير الأفعال الهادئة؛ فالإجراءات اليومية البسيطة المشبعة بالمسؤولية أصدق بكثير من الخطب الطويلة.
حين نجعل الموقف هو المعيار، نختصر الكثير من طاقات العتاب والانتظار. وفي النهاية، سيبقى الكلام مجرد هواءٍ تحركه الألسن، وسيبقى الموقف هو الحجر الصلب الذي يُبنى عليه صرح الثقة. الوعود قد تمنحنا بعض الأمل، لكن المواقف وحدها هي التي تمنحنا الحقيقة؛ فلا تصدق ما يُقال لك، بل راقب ما يُفعل لأجلك.