فائز بن سلمان الحمدي
ما أعجبَ الإنسانَ في خصومته مع الزمان! يُقيم في يومه ساخطًا عليه، مستبطئًا انقضاءه، فإذا انصرم اليوم ونأى به العهد، عاد يستنقذه من خزائن الذاكرة، ويستعذب منه ما كان يستثقل، ويستروح إلى ما كان يستعجل فواته؛ حتى لكأن الأيام لا تكتمل محاسنها في عينه إلا إذا ماتت، ولا تستوفي فضيلتها إلا حين يستحيل استردادها. وللماضي في النفس سطوةٌ خفيّة؛ فالذاكرة لا تستبقي الحياة كما وقعت، وإنما كما ترسّب صداها في القلب. تنفض عن الصورة كثيرًا من غبار الطريق، وتُخمد جلبة الأحزان، وتطوي ساعات السأم والترقّب، ثم تستبقي ضحكةً هنا، ووجهًا هناك، ومجلسًا وادعًا، وصوتًا أليفًا، وعبق مكانٍ عتيق؛ فإذا التأمت هذه الشذرات في الوجدان أطلق عليها صاحبها اسمًا واحدًا: الماضي الجميل.
وما فطن المسكين إلى أنه لا يوازن زمنًا بزمن، وإنما يوازن حاضرًا مثقلًا بجميع حقائقه، بماضٍ صفّته الذاكرة من شوائبه؛ فيضع في إحدى الكفتين الحياة كما هي، وفي الأخرى الحياة كما تشتهي نفسه أن تستذكرها، ثم يعجب أن رجحت كفّة الأمس!
وهذه من ألطف مخادعات النفس في باب الزمان: أن النائي يرقُّ حتى يستحيل فتنةً، والداني يثقل حتى يبدو منقوصًا؛ فالمصيبة العتيقة حكاية، والمصيبة الحاضرة لوعة؛ والتعب المنقضي ذكرى، والتعب القائم عناء؛ والنعمة الغابرة حنين، والنعمة الماثلة عادة.
ومن هاهنا كان أعرف الناس بأقدار النعم من سُلِبوها، وأغفلهم عنها من لا تزال تجري بين أيديهم. وقد قال الله تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)؛ وليس موطن العجب أن تعجز الألسنة عن استقصائها، وإنما العجب أن تغمر النفسَ النعمُ من كل صوب، ثم تشكو جدبها منها! وأن يكون المرء محفوفًا بألطاف الله إحاطة السمكة بالماء، ثم يفتّش متكلّفًا عن شاهدٍ على أن الله قد أنعم عليه.
وإن من النعم ما لا يستتر لضآلته، بل لعِظَم إحاطته؛ كالعافية، والأمن، والأهل، والسكن، وصوت من تحب، والقدرة على أن تنهض مع الصباح. وهي النعم التي جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أصولًا عظيمةً منها في قوله: «مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».
تأمّلها: أمنٌ لا يفزع معه القلب، وعافيةٌ لا يستغيث معها الجسد، وقوتٌ يسدُّ خَلّة اليوم؛ أشياء قد يستفتح بها المرء صباحه فلا يراها شيئًا، وهي عند من فقدها غاية المنى.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ». وإنما يقع الغبن حين تكون السلعة النفيسة في يد صاحبها، فلا يعرف ثمنها إلا بعد أن تفلت منه.
وكم من وجهٍ ألفتَ طلعتَه حتى خُيّل إليك أن حضوره سُنّةٌ كونية لا يلحقها تبدّل، وكم من صوتٍ اعتاده سمعك حتى غاب عنك أنه نعمة، وكم من جسدٍ أطاعك سنين فما شكرت انقياده؛ ثم يفجؤك يومٌ يحتجب فيه وجه، أو يستوحش مكانٌ من صوت، أو يعجز الجسد عما كان يأتيه عفوًا بلا روية؛ فإذا النعمة تنكشف لك دفعةً واحدة، ولكن بعد أن ارتحلت من يدك إلى ذاكرتك.
وهنالك يبكي الإنسان؛ لا لأن الماضي كان أبهى بالضرورة، ولكن لأنه أبصر بهاءه بعد فوات أوانه. ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك». ففي «زوال نعمتك» من الإيقاظ ما يردُّ القلب إلى النعمة قبل أن توقظه مصيبة فقدها.
وكم نجور على الحاضر حين نقول: مضى زمان الطيبين، وانقضى صفاء العيش، وارتحلت البركة؛ كأن خزائن الله كانت بالأمس طافحةً ثم نضبت، وكأن الذي أودع أيام آبائنا محاسنها لا يملك أن يكسو أيام أبنائنا جمالًا من لون آخر!
وحاشا لله؛ (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال سبحانه: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).
لم يجعل الله الخير حِكرًا على جيل، ولا الجمال إقطاعًا لحقبة دون حقبة؛ وإنما تتصرّف صور النعم بتصرّف الحياة، وتتبدّل هيئاتها بتبدّل الأحوال، ويبقى المنعِم سبحانه واحدًا، لا تنفد خزائنه، ولا تنقطع ألطافه.
وليس مؤدّى ذلك أن الأزمنة سواء؛ فلكل عصرٍ محاسنه وآفاته، ولكل جيلٍ مغنمٌ ومغرم، وشيءٌ يحرزه وشيءٌ يفقده. ولكن الجور كل الجور أن نستحضر حاضرنا بعيوبه كافة، ونستدعي الماضي بمحاسنه وحدها؛ فنذكر من بيوت الأولين دفأها، ونطوي شقاءها؛ ونستعيد من مجالسهم أُنسها، ونسقط خصوماتها؛ ونمتدح بساطة عيشهم، ونغفل عن مكابدته؛ ثم نقتطع من زماننا صخبه وفتنه وقلقه، ونغضي عما فتح الله فيه من آفاق العلم والعلاج والمعرفة وتيسير أسباب المعاش.
تلك ليست موازنة؛ بل محاكمةٌ أُبرم قضاؤها قبل انعقادها.
والحنين، على عذوبته، ليس وثيقةً للتاريخ؛ وإنما هو شهادة عاطفة. والقلب إذا هام بزمنٍ لم يدوّن تاريخه، بل أنشأ مرثيته. وما أكرم الحنين حين يكون وفاءً، وما أشنعه حين يستحيل جحودًا!
أن تشتاق إلى دارك الأولى وفاء؛ أما أن تزعم أن الدور من بعدها لا دفءَ فيها فجحود. وأن تحفظ لرجالٍ مضوا جميل العهد وفاء؛ أما أن تزعم أن الأرض عَقِمت بعدهم فجحود. وأن تصون لأيام الصبا بهجتها وفاء؛ أما أن ترى ما بقي من عمرك عقوبةً على انقضائها، فذلك أن تهدر عطاء الله الحاضر لأن بصرك مأخوذٌ بصورة عطائه الغابر.
وقد أرشد القرآن القلب إلى ميزانٍ لو استقام عليه لتحرّر من استرقاق الأمس وفزع الغد: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ). فما فاتك ليس معبودًا للحزن، وما أتاك ليس معبودًا للفرح؛ وإنما أنت عبدٌ لله في الحالين، تتقلّب بين سلبٍ وعطاء، وفقدٍ ووجدان، وتتعلّم أن يكون تعلّق قلبك بالمنعِم قبل النعمة، وبالباقي قبل الفاني.
ومن تمام هذا الفقه ألا يستسلم المرء لـ«لو» حين يفوته شيء، فيظل ينبش قبور الأمس ويتخيّل حياةً أخرى كان يمكن أن تكون؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل».
وهذا من أعظم أدوية الحنين إذا جاوز حدّه: أن تعرف أن ما مضى قد دخل في سلطان القدر، وأن واجبك ليس إعادة الأمس، وإنما إحسان العبودية في اليوم الذي أبقاه الله لك.
ومن ثمّ لم يكن من الرشد أن يخاصم المرء دهره؛ فالدهر لا يهب ولا يسلب، ولا يرفع ولا يضع، وإنما الأمر كله لله. وفي الحديث القدسي: «يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار».
فلا تقل: فسد الزمان، كأن الزمان فاعلٌ مستقل أفسد الناس؛ ولا تقل: كان الأمس سمحًا وأضحى اليوم شحيحًا. إنما الأيام أوعية، ونحن بعض ما يُسكب فيها. بل إن الله أقسم بالعصر فقال: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)؛ فالزمان ليس متهمًا في القرآن، وإنما الإنسان هو الذي يُسأل: ماذا صنع بما أُعطي منه؟ ثم استثنى سبحانه من الخسران (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). فإن ابتغيت زمانًا جميلًا فلا تقعد مترقّبًا قدومه، بل أودع زمانك من صالح عملك، ونبيل خُلُقك، وصدق إيمانك، ما يجعله أهلًا لأن يُحنَّ إليه إذا انقضى.
وأعجب من ذلك أن الذين يندبون الماضي اليوم كانوا بالأمس أنفسهم يتبرّمون بذلك الماضي حين كان حاضرهم!
كان الأمس، يوم كان يومًا، مكتظًّا بالشكوى والترقّب والأماني؛ وكان أهله يقولون فيه: تبدّل الزمان، ومضى الأولون، ولم يبقَ في الدنيا شيء مما كان.
ثم انقضى ذلك الزمان الذي شكوه، فإذا هو في أعين أبنائهم «الزمن الجميل»!
وهكذا تتعاقب الأجيال: كل جيلٍ يشيّع حاضره بالتبرّم، ثم يستقبله في الذاكرة بالثناء؛ كأن الإنسان لا يشتهي النعمة وهي في يده، وإنما يشتهيها حين تصير أثرًا لا يُسترد.
ولعل لهذا المعنى صلةً عميقة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
وما «اغتنم» إلا كلمةٌ تقطع على النفس عادة التأجيل؛ كأنها تقول لك: لا تنتظر حتى يصير الشباب حنينًا لتعرف شبابه، ولا حتى تصير الصحة ذكرى لتعرف عافيتها، ولا حتى يصير الفراغ أمنية لتعرف سعته، ولا حتى تصير الحياة كلها ماضيًا لتعرف أنها كانت أعظم الفرص.
يا هذا، لعل يومك الذي يضيق به صدرك الآن سيغدو بعد أعوام يومًا تتمنى لو افتديت ساعةً منه بسنواتٍ من بقية عمرك. ولعل الدار التي تراها اليوم مألوفة ستستحيل في ذاكرتك وطنًا، والمجلس الذي تعبره مستعجلًا سيغدو أمنية، والوجوه التي تمر بها فلا تستوفي النظر إليها ستأتي ساعةٌ تستحضر ملامحها من أقاصي الذاكرة وتقول: ليتني أطلت النظر.
فانظر الآن. انظر قبل أن يلقّنك الفقد فقه النظر.
وأحبب قبل أن يكشف لك الغياب مقدار من تحب. واشكر قبل أن ترتحل النعمة من حيّز الامتلاك إلى حيّز التذكّر. فإن الله لم يجعل الشكر ثناءً على النعمة فحسب، بل جعله سببًا لاستبقائها واستمداد المزيد منها: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). ومن أفدح العقوبات المستترة على القلب أن يُرزق النعمة فلا يعرف قدرها، ثم يُرزق معرفتها بعد انقضائها؛ فيجتمع عليه ألم السلب وحسرة الغفلة. ولهذا كان سؤال العبد عن النعيم آتيًا لا محالة: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ). فما أكثر ما نسمّيه اليوم «عاديًّا»، وهو في ميزان الحقيقة نعيمٌ سنُسأل عنه!
وإنما اللبيب من يأخذ من الماضي حكمته لا إقامته، ومن الذكرى عبرتها لا أغلالها؛ يلتفت وراءه ليستبصر، لا ليستوطن، فإن الطريق لا يقطعه من استدام توجيه وجهه إلى الوراء.
فأكرموا الماضي؛ فإن في ثراه آباءً رحلوا، وأحبةً غابوا، وأيامًا أسهمت في صوغ ما نحن عليه؛ ولكن لا تنصبوه وثنًا من الذكريات تُنحر عند أعتابه محاسن الحاضر، ويُوأد في سبيله كل جميلٍ يولد اليوم. وأحسنوا تلقّي أيامكم؛ فإن اليوم الذي تسمونه عاديًا قطعةٌ فريدة من أعماركم لا تتكرر، وصفحةٌ إذا انطوت لم تملك الدنيا أن تردّها إليكم مفتوحةً مرة أخرى.
وقد رسم النبي - صلى الله عليه وسلم - للمؤمن موقفه من الزمن في كلمةٍ تقطع طول الأمل من جذره: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك».
وما الحياة إلا حاضرٌ خاطف؛ كلما مددت يدك لتقبض عليه انسلَّ من بين أصابعك ماضيًا. ومن لم يتعلّم فقه الحضور، قضى عمره يندب أزمنةً لم يعرف أقدارها إلا بعدما استحال الرجوع إليها. فليس الماضي جميلًا لمجرد أنه مضى، ولا الحاضر دميمًا لمجرد أنه حضر؛ ولكن للبُعد مساحيقُه التي يموّه بها عيوب الأشياء، وللألفة غشاوتها التي تحجب محاسنها.
فامسح عن بصيرتك غشاوة الاعتياد، وانظر إلى يومك بعين الشاكر لا بعين الآلف؛ ترَ فيه من المنن ما كنت ستعدّه خوارق لو أنك سُلِبتَه يومًا ثم رُدَّ إليك. واعلم أن الله يقول: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)؛ فكل مألوفٍ تتقلب فيه وليس لك في إيجاده حولٌ ولا قوة، من الله:
فلا تجعل الاعتياد حجابًا بينك وبين المنعِم.
ولا تنتظر الفقد حتى تتعلم الحمد.
ولا تنتظر الشيخوخة حتى تعرف الشباب، ولا السقم حتى تعرف العافية، ولا الوحشة حتى تعرف الأُنس، ولا الفراق حتى تعرف نعمة الاجتماع، ولا الموت حتى تعرف قدر الحياة.
فإن الله -جلّ وعلا- قد أقام عليك الحجة بالنعمة قبل أن يوقظك عليها بزوالها.
ولا تقل: ما أجمل الحياة التي كانت. ولكن واجه قلبك، كلما أغراه الأمس بازدراء يومه، بهذا السؤال المهيب: كم من نعمةٍ أعيش الآن في أكنافها فلا أكاد أبصرها؟ وكم من حياةٍ جميلةٍ هي هذه الساعة بين يديّ، وأنا - بفرط أُلفتي وغفلتي - أهيئها لتكون غدًا ماضيًا أندبه؟
ثم تذكّر قول ربك: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ). فالخسارة الكبرى ليست أن يمضي الزمان؛ فالزمان ماضٍ لا محالة. وإنما الخسارة أن يمضي، قبل أن تعرف ماذا كان بين يديك.