الثقافية - سمر العزام:
اختتمت جمعية آداب وفنون السرد «نالا»، مساء الخميس، أعمال الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، التي أُقيمت يومي 9 و10 سبتمبر 2026م في فندق مداريم بالرياض، وخُصصت للقصة القصيرة، وحملت اسم القاص السعودي الراحل محمد علي علوان.
وجاء ختام الملتقى بعد يومين حافلين بالجلسات العلمية والقراءات النقدية والشهادات الإبداعية، وسط حضور لافت من الأدباء والأكاديميين والباحثين وكتّاب القصة والمثقفين والمهتمين بالسرد.
ومثّل اليوم الثاني امتدادًا للمحاور والمسارات التي افتتحها الملتقى منذ انطلاقته؛ إذ انتقلت جلساته من استعادة تجربة محمد علي علوان، وقراءة الخصائص الفنية والثيمات القصصية في اليوم الأول، إلى مساءلة علاقة القصة السعودية بتحولات المجتمع والثقافة والمدينة والهوية، والاستماع إلى تجارب عدد من كتّاب القصة، قبل اختتام الأعمال بإعلان توصيات الملتقى.
التحولات المجتمعية والثقافية.. القصة مرآة للتغيير
افتُتح البرنامج العلمي لليوم الثاني بجلسة «التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة»، التي أدارتها الدكتورة أريج السويلم، وشارك فيها الأستاذ الدكتور حسن محمد النعمي، والأستاذ الدكتور أبو المعاطي الرمادي، والأستاذة الدكتورة زكية محمد العتيبي، بثلاث أوراق تناولت علاقة القصة بتحولات الإنسان والمكان والقيم والهوية.
وتناول النعمي، في ورقته «قلق الإنسان بين أصالة القرية وجاذبية المدينة»، تجربة القاص عبدالعزيز مشري، متوقفًا عند العلاقة بين القرية والمدينة وما تثيره من أسئلة الاغتراب والحنين والانتماء. ومن خلال نماذج مثل «أسفار السروي» و«حمدان يسأل» و«حد الأسفلت»، أبرز حضور القرية بوصفها «وطن الذات»، في مقابل المدينة بوصفها قوةً وافدةً إلى فضائها، تحمل معها أسئلة التحول والتغيير.
أما أبو المعاطي الرمادي، فتناول في ورقته «ملامح ما بعد الحداثة في القصة السعودية بين القيم والمستجدات الاجتماعية» عددًا من مظاهر التحول في الكتابة القصصية، وفي مقدمتها الميتاسرد ورفض النوع الخالص، وما يتصل بذلك من العلاقة بين الإبداع والنقد، ودور الحوار، والالتزام في الأدب، والقداسة الأدبية، وتحولات القارئ، وتغيّر مفهوم الدارس.
واختتمت زكية العتيبي الجلسة بورقتها «تحولات الهوية بين القيم والمستجدات: مجموعة مساء مختلف لفهد الخليوي نموذجًا»، مستعينةً بالمنهج الثقافي والتحليل السردي في قراءة نماذج قصصية متعددة. وخلصت إلى أن الهوية بناء متحول يكشف مساحات التوتر بين القيم والمستجدات، ويضيء اللحظات التي تتشكل فيها هوية الشخصية وتتغير.
المدينة من فضاء للحكاية إلى ذات سردية
وفي جلسة «تسريد المدينة في القصة القصيرة المعاصرة»، أدارت الدكتورة كميل الحرز حوارًا حول حضور المدينة والمكان في القصة السعودية، والتحولات التي طرأت على وظائفهما، وجعلت المكان شريكًا في إنتاج المعنى، متجاوزًا دوره التقليدي بوصفه إطارًا للأحداث.
وقدمت الأستاذة الدكتورة بسمة عروس ورقة تناولت فيها المدينة في القصة القصيرة السعودية بين الحضور المرجعي والتخييل الشعري، فيما بحثت الدكتورة شيمة محمد الشمري، في ورقتها «ظلام المدينة وجحيم الأطراف.. دلالات المكان في قصص جارالله الحميد»، الوظائف الجمالية والنفسية والاجتماعية للمكان.
وتتبعت الشمري علاقة القرية والحارة والمدينة في نماذج من قصص جارالله الحميد، وكيف تتحول هذه الأمكنة إلى علامات دالة على الهوية والاغتراب والتحولات الاجتماعية. كما توقفت عند دلالات الفندق والدكان والبيت الطيني؛ إذ تحمل الأمكنة في هذه النصوص ذاكرة الشخصيات، وتعكس توترها بين الأصل والحاضر، وبين ما يبقى في الذاكرة وما تزيحه تحولات الزمن.
وفي ورقته «المدينة في قصص يوسف المحيميد»، رأى الدكتور محمد البشير أن المدينة تتجاوز كونها فضاءً محايدًا، لتقترب من أن تصبح ذاتًا سردية منتجة للدلالة. وتتبع صورتها بوصفها «مدينة الجسد» التي تتشرب حالات الإنسان النفسية، ثم «المدينة المعمَّرة» التي تستمد حياتها من حركة البشر وحكاياتهم وذاكرتهم.
وتوقف البشير عند أثر جائحة كورونا في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالمدينة، وكيف تغيّرت دلالات الشوارع والمقاهي والبيوت والتفاصيل اليومية؛ ليغدو المكان وعاءً للتجربة الإنسانية وذاكرةً تحفظ آثار الشخصيات وتحولاتها.
أربعة قاصين يروون طريقهم إلى الكتابة
وانتقل الملتقى من القراءة النقدية إلى صوت المبدع في جلسة «شهادات وتجارب في كتابة القصة»، التي أدارها الأستاذ رشيد الصقري، وشارك فيها خالد الداموك، وموضي العتيبي، وعبدالله ناصر، وعباد حسين، مستعرضين أربع تجارب مختلفة في الوصول إلى القصة القصيرة وبناء العلاقة معها.
واستعاد خا لد الداموك أثر الإنترنت والمنتديات والمواقع الأدبية في تشكيل تجربته وتوسيع اطلاعه على التجارب العربية، قبل انتقاله إلى النشر الورقي وإصداره مجموعته الأولى «حصة بنت الجيران» عام 2015م، مؤكدًا استمرار انحيازه إلى القصة القصيرة وعالمها الخاص.
وتناول عبدالله ناصر سؤال النهايات في القصة القصيرة، مؤكدًا أن النهاية تنبع من طبيعة النص وإيقاعه، وأن بعض القصص تنتهي فنيًا قبل سطرها الأخير، فيما تكمن براعة القاص في معرفة اللحظة المناسبة للتوقف، بعيدًا عن افتعال المفاجأة.
أما موضي العتيبي، فاستعادت بدايات علاقتها بالكلمة والقراءة وجمع المفردات، وتحدثت عن الخيال بوصفه أحد الروافد الأساسية لتجربتها. فيما روى عباد حسين انتقاله من محاولات كتابة الرواية إلى القصة القصيرة، عبر تمارين الكتابة اليومية والتجريب المستمر، وصولًا إلى كتابة أكثر من خمسين قصة خلال ثلاث سنوات، قبل مراجعتها واختيار ما يصلح منها للنشر.
وكشفت الشهادات الأربع، على اختلاف مساراتها، أن تجربة القاص تتشكل بالتراكم؛ من خلال القراءة والممارسة والمراجعة والخيال والتجريب، والبحث المستمر عن صوت قادر على منح الحكاية خصوصيتها الفنية.
توصيات تحفظ الذاكرة وتستشرف المستقبل
وفي ختام أعمال الدورة الأولى، أعلن الملتقى ثماني توصيات، جاءت على النحو الآتي:
أولًا: السعي إلى استمرار تنظيم «ملتقى نالا للسرد» بوصفه ملتقى دوريًا متخصصًا في السرد، مع تخصيص كل دورة لقضية أو جنس سردي أو تجربة إبداعية، بما يسهم في إثراء المشهد السردي السعودي والعربي.
ثانيًا: توثيق تجارب رواد السرد السعودي ودراستها ونشرها وإتاحتها للباحثين والأجيال الجديدة، ومواصلة تقليد تكريم شخصية سردية رائدة في كل دورة من دورات الملتقى.
ثالثًا: إيلاء تجربة محمد علي علوان القصصية مزيدًا من العناية النقدية والتوثيقية، والعمل على جمع الدراسات والبحوث والشهادات المتصلة بتجربته؛ لما تمثله من قيمة في مسيرة القصة القصيرة السعودية.
رابعًا: نشر البحوث والأوراق العلمية المقدمة في الملتقى، بعد تحكيمها ومراجعتها، في إصدار ورقي أو رقمي، بما يحقق الإفادة العلمية منها، ويجعل الملتقى منتجًا للمعرفة إلى جانب دوره في تنظيم الحوار الثقافي.
خامسًا: تشجيع الدراسات المنهجية التي ترصد تحولات القصة القصيرة السعودية فنيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وما تشهده من تطور في موضوعاتها وتقنياتها وتمثيلها للمكان والهوية والإنسان والبيئة.
سادسًا: تمكين المبدعين والباحثين الشباب من المشاركة في الدورات المقبلة، بإتاحة مسارات للأوراق النقدية والتجارب الإبداعية والقراءات القصصية، بما ينسجم مع هدف الملتقى في دعم المواهب السعودية الشابة.
سابعًا: الإفادة من مخرجات الملتقى في إطلاق مبادرات وبرامج ثقافية وتدريبية تسهم في تنمية مهارات الكتابة والقراءة النقدية والتذوق السردي، وتعزز وصول السرد إلى شرائح أوسع من المجتمع.
ثامنًا: توجيه خطاب شكر وتقدير إلى وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة، تقديرًا لدعمهما ومساندتهما للملتقى، وإسهامهما في إنجاح أعماله، وتثمينًا لجهودهما المستمرة في خدمة الأدب والثقافة ودعم المبادرات السردية في المملكة العربية السعودية.
حضور يثري الملتقى وتنظيم يواكب برنامجه
وشهد اليوم الثاني، امتدادًا لليوم الأول، تفاعلًا لافتًا من الحضور مع الأوراق والمداخلات والشهادات، في مشهد عكس ما تحظى به القصة القصيرة من اهتمام لدى الأكاديميين والمبدعين والقراء. وأسهمت النقاشات التي أعقبت الجلسات في توسيع دائرة الأسئلة التي طرحتها الأوراق العلمية، وربطها بواقع الكتابة وتحولات المجتمع.
كما أسهمت جهود الإدارة التنفيذية واللجان التنظيمية والعلمية والإعلامية والفنية، إلى جانب فرق العمل والمتطوعين، في انتظام البرنامج وحسن استقبال الضيوف والمشاركين وإدارة الجلسات وفق جدولها، بما هيأ أجواء ثقافية ملائمة للحوار والتواصل بين المشاركين والجمهور.
وفي ختام الدورة الأولى، عبّرت جمعية آداب وفنون السرد «نالا» عن شكرها وتقديرها لوزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وللباحثين والنقاد والأدباء والمشاركين والضيوف، والجهات الداعمة والرعاة وشركاء النجاح، وجميع اللجان وفرق العمل، والحضور الذي منح الملتقى حيويته وثراءه.
وبإسدال الستار على يومين من الحكاية والنقد واستحضار الذاكرة، اختتم «ملتقى نالا للسرد» دورته الأولى، فيما ظلت الأسئلة التي طرحها مفتوحة على دورات مقبلة؛ ليواصل بناء مساحة تجمع المبدع والناقد والقارئ، وتمنح السرد السعودي نافذة أوسع للحوار والتوثيق والتجدد، وتُبقي الحكاية متصلة بأجيالها القادمة.