د.عيد بن حجيج الفايدي
«الأسطورة» من الجذر (س ط ر)، أي الكتابة والتدوين، في معاجم اللغة «الأساطير: الأباطيل، والأساطير: أحاديث لا نظام لها»، فالأسطورة تولد من فراغ المعرفة، وتتراجع حين يأتي العلم فيسدّ ذلك الفراغ. واصطلاحاً، تتعدّد تعريفات الأسطورة؛ فمنها ما يصفها بأنها مجموعة من القصص والحكايات التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، تمتزج فيها الخوارق بالوقائع، ويكون الخيال سيد الموقف فيها. ويقال إنها تفسير أو قصة رمزية تروي حادثة غريبة أو خارقة، وتتميز بتناقلها وانتشارها على نطاق واسع، وتأثيرها العميق نتيجة ما تنطوي عليه من حكمة وإثارة. فالأسطورة في الاصطلاح ليست بالضرورة «كذباً صريحاً»، بل هي محاولة متبصرة وخيالية لتفسير ظواهر حقيقية أو مفترضة تثير واضع الأسطورة. هي محاولة معرفية بدائية؛ فعقل الإنسان القديم لا يطيق الفراغ، فإذا لم يجد تفسيراً علمياً، ملأه بالخيال.
وجغرافية الجزيرة العربية موسوعة مفتوحة بتضاريسها الشاهقة والغامضة، التي لم تكن مجرد معالم طبيعية صامتة، بل كانت محفزاً للذاكرة الشعبية على حياكة أساطير وروايات لا تُقبل كتفسير علمي، نسجها الخيال القديم في محاولة بدائية لسدّ الفراغات المعرفية. وتتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في «جبل جانين» بمنطقة حائل، المعروف قديماً بـ«جبل خفاف»، وهو موقع أثري يقع شمال الطريق السريع بين بريدة وحائل، ويتوسط بحيرة جانين الغنية بالمياه الجوفية. ويضم الجبل كهفاً كبيراً، تتزين جدرانه برسومات صخرية ونقوش ثمودية وعربية قديمة تحتاج إلى خبراء لفك تلك الرسوم والرموز، وتُرجّح بعض المصادر أنها تشمل نقوشاً موغلة في القدم، بينما تعود النقوش إلى فترات لاحقة - النصف الثاني من الألف الأول قبل الميلاد - وتعكس رسوم الكهف ملامح الحياة الاجتماعية والدينية في تلك الأزمان، بل وتثبت تلك الرسوم حجم الإنسان القديم وصورة كفّه التي قد تبدو كبيرة جداً. واجهت الآثار قديماً نقصاً في التوثيق التاريخي، ففتح هذا النقص المجال لعالم الأسطورة لتفسّر ما عجز عنه الفهم البشري، إذ توهّم القدماء أن الكهف والنقوش والرسوم من عمل «الجن»، ومن هنا أطلقوا عليه اسم «جانين» - وهو مُثنى «جان» - إشارةً إلى العلاقة القديمة بين الإنسان والجن، وتعكس هذه التسمية عجز الإنسان الجاهلي أحياناً عن تحليل وتفسير ما يقابله.
وقصة «جانين» تكشف عن آلية نفسية معرفية بالغة الأهمية: حين يواجه الإنسان ما لا يفهمه، لا يتركه فارغاً، بل يملؤه بالأقرب إلى مخيلته. فالكهف الغائر بنقوشه الغريبة يفوق قدرة العقل العادي على التفسير؛ ومن هنا لم يكن مدهشاً أن يُسقط الناس عليه ما يعرفونه من «غوامض»: عالم الجن. فالجن في الذاكرة الشعبية العربية هو «الآخر المجهول» الذي يُسند إليه كل ما يخرج عن المألوف، وهو «فراغ معرفي جاهز» يمتص كل ما لا تفسير له. غير أن المفارقة المؤلمة هنا أن هذه الأسطورة - رغم سلبيتها المعرفية - حافظت على الموقع في الذاكرة الشعبية؛ فالاسم «جانين» الذي وُلد من الخرافة صار هو الاسم السائد، ويقال إن اسمه «خفاف». فالأسطورة هنا لا تملأ الفراغ المعرفي فحسب، بل قد تطمس الهوية الأصلية وتستبدل بها هوية وهمية، والاسم الذي يُطلق على الموقع إما أن يفتح باب المعرفة أو يغلقه. وهذه الأسطورة تؤكد أن الطبيعة ليست صامتة بل متكلمة، وأن الجبال ليست كتلاً صخرية صماء، بل شخصيات رمزية لها قصص ومشاعر. وهذا الإحساس هو في أصله تعاطف إنساني عميق مع المكان. فالأسطورة هنا ليست كذباً خالصاً، وهي لا تحتاج إلى أن تُقتل - ففيها جمال أدبي - بل إلى أن تُوضع في مكانها الصحيح: موروث أدبي وتاريخي.
وهنا تبرز الحاجة إلى دور المراكز العلمية والهيئات البحثية - كهيئات المساحة، وهيئات التراث، ومراكز الجامعات - في تفكيك هذه الخرافات؛ من خلال الاستكشاف والتفسير الميداني باستخدام تقنيات التأريخ والتصوير الطبقي، وتوثيق قراءة النقوش الصخرية ونسبتها إلى حضاراتها الحقيقية، فضلاً عن نشر التوعية عبر تحويل المواقع إلى متنزهات جغرافية يسهل الوصول إليها ومتاحف مفتوحة تُقدَّم للزوار بشروح علمية دقيقة. فالعلم ليس مجرد جمع معلومات، بل هو معرفة وحقائق تحلّ محل سلطة الأسطورة. عبر هيئة رسمية تدرس فوهة الكهف ومحتوياته، وعبر المسوحات الأثرية التي نسبت النقوش إلى الثموديين تتراجع الأسطورة تلقائياً إلى مكانها الطبيعي: موروث أدبي لا تفسير علمي. فمهمة المراكز العلمية ليست «محاربة الأسطورة»، بل تقديم البديل المعرفي الذي يجعل الأسطورة تتراجع من تلقاء نفسها. وللحد من الآثار السلبية للتفكير الخرافي وتداول هذه الأساطير كحقائق، يُقترح العمل على مجموعة من الخطوات المباشرة، مثل تهيئة مكان مصلى بالحجارة عند مدخل الكهف لتقام فيه الصلاة، وتعزيز البرامج السياحية عبر مقاطع فيديو مدروسة تصف كهف «جانين» بأساليب عرض حديثة، ولوحات إرشادية تفاعلية تشرح تكوّنه علمياً؛ فالزائر الذي يرى اللوحة العلمية إلى جوار اللوحة الأسطورية يخرج بفهم سليم لا بتراكم خرافي. فالأسطورة حين تُدرَّس كـ«ظاهرة معرفية يمكن فهمها وتجاوزها» تصبح أداة تعليمية قيّمة في تعليم التفكير النقدي. بالإضافة إلى توظيف التقنية الحديثة مع الفصل التام والواضح بين المحتوى الترفيهي والحقيقة العلمية؛ فالأسطورة كأدب تستحق أن تُروى وتُستمتع بها، وكعلم لا تستحق أن تُصدَّق. فالأسطورة ليست عدواً للعلم، بل هي سابقته؛ فهي المحاولة الأولى للعقل الإنساني لفهم العالم، والعلم هو المحاولة الناضجة. وحين ينضج العلم في مجال ما، تتراجع الأسطورة - لا إلى العدم، بل إلى الأدب والتراث. وأخيراً، يمكن نقل المكان إلى استثمار حقيقي من خلال برامج شتوية معروفة لدى أصحاب الاختصاص تحت عنوان «فعاليات شتاء جبل جانين» أو أي عنوان آخر، وكذلك نقل فعاليات رالي السيارات حول الجبل تحت عنوان «رالي جبل جانين» لتحويل الجبل وما حوله الي بيئة إيجابيه استثمارية اقتصادية جديدة.