تغريد إبراهيم الطاسان
ليس جديدًا أن تكون وزارة الداخلية حاضرة في تفاصيل حياتنا.. فالأمن ليس مجرد إجراءات وأنظمة، بل هو الطمأنينة التي نعيشها في بيوتنا، والاستقرار الذي تنمو معه مدننا، والقاعدة التي يتحرك من خلالها الاقتصاد، ويخطط الإنسان في ظلها لمستقبله.
لكن الجديد واللافت أن وزارة الداخلية لم تعد تكتفي بأن يلمس المجتمع أثر الأمن، بل أصبحت تفتح أمامه نافذة ليفهم تاريخه، ويتأمل علاقته بالتنمية والثقافة والهوية وجودة الحياة. وهذا ما عبّر عنه مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي جاء تحت عنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء».
من يتأمل عنوان المؤتمر ومحاوره يدرك أنه لم يكن مؤتمرًا أمنيًا بالمفهوم المعتاد، كما لم يكن لقاءً تاريخيًا يستعيد الماضي لمجرد استعراضه، بل كان مساحة وطنية التقت فيها السياسة بالتاريخ، والأمن بالمجتمع، والثقافة بالاقتصاد، والماضي بالمستقبل.
والسؤال الذي بدا حاضرًا في مختلف جلساته: ماذا صنع الأمن في قصة هذه البلاد؟
والإجابة نجدها في كل ما حولنا.
فلا مدينة تنمو من دون أمن، ولا جامعة تزدهر، ولا طريق يمتد، ولا استثمار يأتي، ولا أسرة تعيش مطمئنة، ما لم يكن الأمن حاضرًا في أصل الحكاية. ومن هنا جاءت أهمية المؤتمر؛ لأنه نقل الحديث عن الأمن من صورته الإجرائية إلى معناه الإنساني والاجتماعي الأشمل.
ولأنني أنظر إلى كثير من القضايا من زاويتها الاجتماعية، فقد لفتني هذا الحضور المختلف لوزارة الداخلية؛ المؤسسة التي ارتبطت في أذهان الناس بالهيبة والانضباط وتطبيق النظام، أصبحت اليوم أكثر قربًا في خطابها، وأكثر انفتاحًا على الباحث والمؤرخ والمثقف والإعلامي والشاب.
وهذا التحول لا يمكن اختزاله في العلاقات العامة، بل يعكس تطورًا مهمًا في مفهوم الاتصال الحكومي؛ فالمؤسسة الناجحة لا تكتفي بالإنجاز، وإنما تشرح ما أنجزته، وتوثق تاريخها، وتمنح المجتمع فرصة لفهم دورها والمشاركة في قراءة أثرها. وحين يصل هذا الخطاب إلى الناس بلغة واضحة وقريبة منهم، فإنه يعزز الثقة، ويرسخ الوعي، ويجعل المواطن شريكًا في حماية أمن وطنه والمحافظة على مكتسباته.
ومن أجمل ما قدمه المؤتمر أنه لم يتعامل مع التاريخ باعتباره صورًا ووثائق قديمة، بل بوصفه خبرة وطنية حيّة. لقد استعاد ثلاثة قرون من مسيرة الأمن في الدولة السعودية، لا ليقف عند الماضي، وإنما لينطلق منه إلى فهم الحاضر واستشراف المستقبل. فهذا الاستقرار الذي ننعم به اليوم لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسيرة طويلة بُنيت بالحكمة، والتضحيات، ووحدة الصف، والإيمان بأن أمن الإنسان هو أساس أمن الوطن.
كما أن تنوع المتحدثين والشركاء والجلسات منح المؤتمر قيمة إضافية؛ لأن قصة الوطن لا ترويها جهة واحدة، ولا يكتمل فهمها من خلال تخصص واحد. وحين يجلس المسؤول إلى جانب المؤرخ، والباحث إلى جانب الاقتصادي، والمثقف إلى جانب المختص الأمني، ويحضر الشباب وطلبة الجامعات في هذا المشهد، فإننا لا نصنع مؤتمرًا فحسب، بل نسهم في بناء ذاكرة وطنية مشتركة.
لقد نجحت وزارة الداخلية في تقديم الأمن من زاوية مختلفة؛ ليس باعتباره غيابًا للخوف فقط، بل باعتباره حضورًا للحياة.
فحين يوجد الأمن تزدهر الثقافة، وينمو الاقتصاد، وتنجح السياحة، وتأتي الاستثمارات، ويستقر التعليم، ويطمئن الإنسان إلى غده. وحين نفهم قيمة الأمن بهذا المعنى الواسع، ندرك أنه مسؤولية مشتركة، تبدأ من احترام النظام، وتمتد إلى حماية الوعي، وتعزيز الانتماء، والمحافظة على وحدة المجتمع.
وهذه، في رأيي، أجمل رسائل المؤتمر وأصدقها: خلف كل قصة نماء قصة أمن، وخلف حاضر نعتز به تاريخ يستحق أن نقرأه، ونحفظه، ونرويه لأجيالنا بكل فخر ووعي ومسؤولية.