زياد الجارد
قبل سنوات، كان دفع فاتورة يحتاج مشواراً، وتحويل مبلغ يتطلب زيارة البنك، وشراء تذكرة سفر يمر عبر مكتب، والوصول إلى معلومة ربما يحتاج سؤالاً وبحثاً وانتظاراً. اليوم نستطيع إنجاز معظم ذلك في دقائق، ومن المكان نفسه. نشتري، وندفع، ونحوّل، ونعمل، ونجتمع، ونطلب طعامنا بضغطة زر. من التلكس والفاكس، وصولاً إلى الجوال وما فيه اليوم من تطبيقات، اختصرنا المسافات، وقلّصنا الانتظار، ووفرنا من الوقت ما كان سيبدو لأجيال سابقة أمراً يفوق الخيال.
ومع ذلك، اسأل أحدنا عن حاله، وستسمع الإجابة الأكثر شيوعاً: مشغول جدا!
فأين ذهب كل ذلك الوقت الذي وفرناه؟
ربما لم نوفره أصلاً، بل أعدنا تعبئته. فما كان يستغرق ساعة أصبح يستغرق دقائق، لكننا لم نأخذ الدقائق المتبقية ونضعها في جيوبنا ونستمتع بها، بل ملأناها بمهمة أخرى، ثم أخرى. وكلما أصبحت الحياة أسرع رفعنا معها سقف ما نتوقع إنجازه في اليوم الواحد.
التقنية لم تمنحنا وقتاً أطول، لكنها منحتنا القدرة على فعل أشياء أكثر في الوقت نفسه، وبالطبع، لم نكن لنفوت فرصة كهذه لنضغط بها أنفسنا أكثر.
والغريب أننا لا نعاني من الانشغال فقط، بل يبدو أننا أحببناه أيضاً ونتباهى به، وأصبح البعض ينظر إليه كدليل على النجاح. أما أن يقول لك أحدهم (فاضي ومرتاح)، فتبدو الإجابة اليوم غريبة بعض الشيء، وربما تحتاج إلى تفسير، وقد تُفهم على أنها تقصير!
حتى الفراغ البسيط أصبحنا نتعامل معه وكأنه مشكلة تحتاج إلى حل. فإذا جاءت ساعة بلا عمل أو موعد أو التزام، سارعنا إلى ملئها بأي شيء، وإن لم نجد، فهناك دائمًا هاتف في جيوبنا مستعد لهذه المهمة.
العمل والمسؤوليات جزء طبيعي وأساسي من الحياة، لكن المشكلة أن يصبح الانشغال هو الوضع الطبيعي طوال الوقت، وأن نقيس جودة يومنا بعدد ما أنجزناه من أعمال ومهام، مع أن بعض أفضل ما نفعله لأنفسنا ولمن حولنا لا يُقاس بهذه الطريقة: جلسة هادئة، زيارة قريب أو صديق، حديث بلا موعد، ساعة للمشي، ساعة قراءة، أو ساعة لعب مع الأطفال.
قضينا سنوات نبحث عن كل ما يوفر لنا الوقت، ونجحنا إلى حد كبير. لكن يبدو أننا لم نتقبل النتيجة، فكلما وفرنا ساعة، وجدنا لها عملاً، وكلما اختصرنا مهمة، أضفنا أخرى. وكأننا نخشى أن يأتي يوم نقول فيه: والله اليوم فاضي وما عندي شغل!