د.شريف بن محمد الأتربي
يظل الشغل الشاغل للمعلم والطالب وولي الأمر والهيئة التعليمية هو إنهاء المقرر الدراسي في موعده المحدد؛ خوفًا من المساءلة، أو حرصًا على الالتزام بالخطة، أو رغبة لدى ولي الأمر في أن يحصل ابنه على كل ما ورد في الكتاب الدراسي، انطلاقًا من قناعة تبدو منطقية في ظاهرها: إذا كانت المعلومة قد أدرجت في المقرر، فلا بد أن يتعلمها الطالب.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: هل هدفنا أن ينهي الطالب الكتاب، أم أن يستطيع أن يفعل شيئًا بما تعلمه من الكتاب؟
فالطالب لا يريد أن يحفظ فقط، وإنما يريد أن يمارس ما تعلمه، وأن يطبقه على بيئته، وأن يفهم كيف يمكن للمعرفة أن تساعده في التعامل مع مشكلة حقيقية، أو تحسين شيء من حوله، أو تقديم فكرة يكون لها أثر.
لا شك أن المعرفة أساس العملية التعليمية، وأن إتقان المفاهيم والمعلومات والمهارات التي يتضمنها المقرر أمر لا غنى عنه، لكن المعرفة لا ينبغي أن تكون نهاية رحلة التعلم، بل بدايتها. فقد يحفظ الطالب مفهومًا علميًا دون أن يعرف كيف يستخدمه في حياته، أو يحل مسائل رياضية بصورة صحيحة دون أن يستطيع توظيف الرياضيات في مشكلة حقيقية، أو يفهم نصًا أدبيًا دون أن يحول ما تعلمه إلى فكرة أو موقف أو مبادرة.
ومن هنا تأتي فكرة «حائط الابتكار».
ليس المقصود حائطًا بالمعنى التقليدي، ولا لوحة تعلق عليها أعمال الطلاب بهدف التزيين، وإنما مساحة مفتوحة داخل الفصل أو المدرسة، يضع فيها الطالب فكرة عملية، أو حلًا لمشكلة، أو مقترحًا لتطوير شيء من حوله، مستندًا إلى ما تعلمه في المقرر.
ففي درس عن الطاقة، يمكن أن يسأل المعلم: كيف نستطيع تقليل استهلاك الكهرباء في المدرسة؟ وقد يقترح طالب استخدام حساسات لإطفاء الإضاءة في الفصول الخالية، ويقترح آخر نظامًا لمراقبة الاستهلاك، بينما يرى ثالث أن الحل يبدأ من تغيير سلوك الطلاب.
وفي درس عن المياه، قد يقترح طالب الاستفادة من المياه الناتجة عن أجهزة التكييف في ري المساحات الخضراء، بينما يقترح آخر نظامًا لقياس الهدر واكتشاف التسربات.
وفي الرياضيات، يمكن للطلاب استخدام النسب المئوية والمتوسطات والرسوم البيانية لتحليل استهلاك المقصف أو معدلات الهدر الغذائي، ثم تقديم مقترحات لتحسينه.
وفي اللغة العربية، يمكن توظيف مهارات الكتابة والإقناع في إعداد حملة للمحافظة على مرافق المدرسة أو تعزيز القراءة، بينما يمكن أن يتحول درس في الدراسات الاجتماعية عن التنمية وجودة الحياة إلى سؤال بسيط: ما الذي يمكن أن يجعل مدرستنا أو حيّنا أكثر ملاءمة للعيش؟
في كل هذه الحالات لا نضيف مقررًا جديدًا، ولا نحتاج بالضرورة إلى حصة إضافية؛ وإنما نمنح الطالب فرصة لاستخدام ما تعلمه.
المقرر يصبح منطلقًا للفكرة، وليس نهاية لها.
ولأن هذه الفكرة لا تقوم على نشاط عابر، بل على تحويل التعلم إلى ممارسة، فمن المفيد النظر إلى بعض التجارب التعليمية التي منحت الطالب دورًا أكبر في فهم المشكلات، وتوليد الحلول، وتجريب الأفكار.
ففي Stanford d.school ارتبط تعليم التفكير التصميمي بمساعدة المتعلمين على فهم المشكلات الحقيقية، وتوليد الأفكار، وتجريبها، ثم تطويرها بناءً على ما يتعلمونه من التجربة. كما قدمت مبادرات مثل Shadow a Student Challenge نموذجًا يجعل رؤية المدرسة من منظور الطالب نقطة انطلاق لاكتشاف المشكلات وتحسين التجربة التعليمية.
وفي أيرلندا، تعرض منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نماذج يصبح فيها المشروع جزءًا من تعلم الطالب وتقييمه؛ ومن الأمثلة مشروع تصميم كوب للسفر احتسب بنسبة 40 % من التقييم، مع منح الطلاب مساحة للابتكار وإضفاء طابعهم الشخصي على المنتج، مع بقاء المعلم مسؤولًا عن توجيه العملية وضمان تحقيق متطلباتها.
كما تعرض منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تجربة MolenGeek في بلجيكا ضمن أمثلة أوسع على التعلم الذي يعزز وكالة المتعلم، من خلال العمل على مشروعات ومشكلات حقيقية.
هذه التجارب ليست تطبيقات مطابقة لفكرة «حائط الابتكار»، لكنها تلتقي معها في مبدأ أساسي: أن يتجاوز التعلم حدود تلقي المعرفة إلى استخدامها والتجريب بها وتطويرها.
ويمكن تطبيق الفكرة بخطوات بسيطة: يختار الطالب مشكلة من بيئته المدرسية، ويربطها بمفهوم أو مهارة من المقرر، ثم يكتب فكرة أولية للحل، ويعرضها على الحائط للنقاش، ويتلقى ملاحظات زملائه ومعلمه، ثم يطورها ويجرب ما يمكن تجربته منها.
بهذه الطريقة يصبح حائط الابتكار مسارًا عمليًا للتعلم، لا مجرد مساحة لعرض الأفكار.
من الحائط إلى المنصة الرقمية
وإذا كان حائط الابتكار في صورته التقليدية يمنح الطالب مساحة لعرض فكرته، فإن أدوات التعلم الإلكتروني تستطيع أن توسع هذه المساحة وتجعلها أكثر تفاعلية.
فيمكن أن يكون لكل فصل حائط ابتكار رقمي داخل منصة التعلم، يضع فيه الطلاب أفكارهم في صورة نص، أو صورة، أو فيديو، أو عرض تقديمي، أو نموذج أولي. ولا تتوقف الفكرة عند نشرها؛ إذ يستطيع الطالب إرفاق مصادره، وتلقي تعليقات المعلم وزملائه، ثم العودة إليها وتعديلها.
ويمكن كذلك ربط الأفكار بالمفاهيم والمهارات التي تناولها المقرر، واستخدام أدوات النقاش والاستطلاع لتطويرها، مع الاحتفاظ بمراحل تطورها؛ بحيث يستطيع المعلم أن يرى الفكرة الأولى، والملاحظات التي تلقتها، والتعديلات التي أدخلها الطالب عليها.
وقد تمتد المشاركة إلى ما وراء الفصل، فيشارك طلاب من فصول أو مدارس أخرى في تطوير الفكرة، لتتحول المنصة التعليمية من مكان لتسليم الواجبات إلى مساحة لتبادل الأفكار وبنائها.
وفي هذه المرحلة يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تكون عاملًا مساعدًا، لا بديلًا عن الطالب؛ فتساعده على طرح أسئلة جديدة حول فكرته، أو اكتشاف جوانب لم ينتبه إليها، أو مقارنة البدائل، أو تحسين طريقة عرضها. أما التفكير والحكم والاختيار والقرار، فيجب أن تبقى مسؤولية الطالب.
فالتقنية لا تصنع الابتكار وحدها؛ وإنما تمنح الفكرة مساحة أكبر للنمو.
دور المعلم يتغير أيضًا
يمنح حائط الابتكار المعلم فرصة مختلفة لقياس تعلم طلابه. فبدلًا من الاقتصار على سؤال: هل كانت الإجابة صحيحة أم خاطئة؟ يستطيع أن يتساءل:
هل فهم الطالب المشكلة؟
هل وظف المعرفة التي تعلمها؟
هل استطاع الربط بين المفاهيم؟
هل منطقه مقنع؟
وهل يستطيع تطوير فكرته بعد تلقي الملاحظات؟
هذه الجوانب قد لا تظهر كاملة في الاختبارات التقليدية، بينما يكشفها العمل على فكرة حقيقية بصورة أكثر وضوحًا.
كما أن توثيق الفكرة رقميًا يجعل رحلة التعلم نفسها قابلة للملاحظة؛ فالمعلم لا يرى المنتج النهائي فقط، وإنما يستطيع متابعة كيف انتقل الطالب من فكرة أولية إلى فكرة أكثر نضجًا.
وهنا ينتقل دور المعلم تدريجيًا من ناقل للمعلومة ومصحح للإجابة إلى موجه يساعد الطالب على بناء الفكرة وتطويرها.
الفكرة لا تنتهي عند صاحبها
ولا ينبغي أن يتحول حائط الابتكار إلى مساحة للتنافس بين الطلاب، بل يجب أن يكون مساحة لتفعيل التعلم التعاوني والعمل الجماعي، فقيمة الفكرة تزداد عندما يشارك الآخرون في تطويرها.
يمكن لطالب أن يقترح حلًا، ثم يسأل زملاءه: ما الذي يمكن تحسينه؟ هل هناك بديل أفضل؟ ما العقبات التي قد تواجه التنفيذ؟
قد تكون الملاحظة التي يقدمها أحد الزملاء هي التي تجعل الفكرة أكثر واقعية، وقد يكتشف صاحبها بنفسه جانبًا لم ينتبه إليه.
وهكذا يتعلم الطالب أن النقد ليس رفضًا للفكرة، وأن تعديلها ليس فشلًا، وأن الأفكار الجيدة تنضج بالحوار والتجربة.
لذلك يمكن أن يكون التقدير لأفضل سؤال، أو أفضل تطوير لفكرة، أو أفضل توظيف للمعرفة، أو أفضل تعاون جماعي، وليس فقط لأفضل اختراع.
حائط صغير.. وثقافة كبيرة
والأهم أن تختار المدرسة بعض هذه الأفكار القابلة للتجربة فعلًا، وتحوّلها إلى واقع: فكرة لتقليل هدر المياه، أو تحسين المقصف، أو زيادة القراءة، أو رفع مستوى السلامة عند بوابة المدرسة، أو الاستفادة من المساحات غير المستخدمة.
وحتى لا تبقى الفكرة حماسًا فرديًا، فإن دور الإدارة المدرسية يصبح حاسمًا في توفير الحد الأدنى من التنظيم والدعم: وقت قصير ثابت لعرض الأفكار، ومساحة واضحة للحائط الورقي أو الرقمي، وآلية مبسطة لاختيار الأفكار القابلة للتجربة، وتشجيع المعلمين على ربطها بالمقرر بدل التعامل معها كنشاط إضافي منفصل.
وقد تنجح التجربة أو تفشل، لكن الطالب في الحالتين يتعلم كيف يحدد المشكلة، ويجمع المعلومات، ويقترح حلًا، ويتلقى الملاحظات، ثم يعدل فكرته ويختبرها.
وهنا يتحول التعلم من معرفة لها إجابة صحيحة إلى رحلة تفكير وتجريب لها أثر محتمل في الواقع.
وحائط الابتكار في جوهره فكرة بسيطة، لا تحتاج في بدايتها إلى ميزانية كبيرة أو أجهزة متقدمة؛ قد يكون مساحة في الفصل، أو لوحة رقمية، أو ركنًا في المدرسة، أو مزيجًا بين الورقي والرقمي.
لكن أهميته ليست في الحائط نفسه، وإنما في الثقافة التي يصنعها.
إنه يقول للطالب إن ما يتعلمه ليس مجرد معلومات عليه حفظها، بل أدوات يمكنه استخدامها لفهم العالم من حوله.
ويقول للمعلم إن مهمته ليست أن ينهي المقرر فقط، بل أن يساعد الطالب على تحويل المعرفة إلى قدرة.
ويقول للمدرسة إن الابتكار ليس معرضًا سنويًا أو مسابقة موسمية، وإنما ممارسة يمكن أن تبدأ بسؤال بسيط:
هل يمكن أن يكون هناك حل أفضل؟
لقد أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، وأصبح التحدي الحقيقي هو قدرة الطالب على فهمها وتقييمها وربطها واستخدامها وبناء أفكار جديدة عليها.
لذلك لا يكفي أن نسأل الطالب:
ماذا تعرف؟
بل علينا أن نسأله:
ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟
قد يبدأ الجواب على حائط صغير في فصل دراسي، أو على شاشة في منصة تعليمية، لكنه يمكن أن يقود إلى شيء أكبر بكثير: طالب يلاحظ المشكلة، ويفكر في الحل، ويقبل النقد، ويطور فكرته، ويجربها، ثم يكتشف أن لديه القدرة على أن يصنع أثرًا في العالم من حوله.
فالأثر الحقيقي لهذا الحائط لا يظهر فقط في لحظة تعليق الفكرة أو مناقشتها، بل يمتد إلى طريقة تفكير الطالب حين يغادر المدرسة إلى الجامعة، ثم حين ينخرط بعد ذلك في سوق العمل. فهو يتعلم مبكرًا أن المعرفة ليست غاية في ذاتها، وأن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على طرح السؤال الصحيح، وفهم المشكلة، وبناء الحل، والعمل مع الآخرين، وتحويل الفكرة إلى أثر. وهذا بالضبط ما يحتاجه طالب اليوم ليكون قائد الغد: عقل لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يحسن استخدامها لصناعة قيمة في الجامعة والعمل والحياة.
وهنا بالضبط تتحول المعرفة من صفحات في كتاب إلى قوة تفكير وإبداع وعمل.