عبد الله سليمان الطليان
هل يتعلم الإنسان من خلال الكتب والدروس فقط، أم أن هناك نوعًا آخر من التعلم يأتي من الممارسة والعمل؟
منذ القدم كان الإنسان يتعلم كثيرًا من مهاراته من خلال الممارسة؛ فالنجار يتعلم النجارة من الخشب والأدوات، والحداد من الحديد والنار، والبناء من الحجارة والمواد، والخياط من القماش والإبرة. فالمهنة لا تُكتسب بالمعرفة النظرية وحدها، وإنما تحتاج إلى ممارسة وتكرار وتصحيح للأخطاء.
ومن هنا ظهرت فكرة التعلم بالممارسة، وخصوصًا في الأعمال المهنية والحرفية، حيث يصبح العمل نفسه وسيلة للتعليم.
وهناك ما يمكن تسميته الأعمال النفعية؛ وهي الأعمال التي يتعلم الإنسان من خلالها مهارة، وفي الوقت نفسه ينتج شيئًا له فائدة وقيمة. فالطالب الذي يصنع قطعة خشبية لا يتعلم النجارة فقط، وإنما يتعلم الدقة والقياس والصبر وتحمل المسؤولية.
التجربة الألمانية
تعد ألمانيا من أبرز الدول التي اهتمت تاريخيًا بربط التعليم بالعمل.
ومن أهم الشخصيات في هذا المجال المربي الألماني جورج كرشِنشتاينر (Georg Kerschensteiner)، الذي ارتبط بفكرة «مدرسة العمل» (Arbeitsschule). وكان يرى أن التعليم ينبغي ألا يعتمد على الحفظ والتلقين وحدهما، بل يجب أن يشارك الطالب في نشاط عملي يجعله يتعلم من خلال العمل والتجربة.
وكان الهدف من ذلك ليس تخريج الحرفيين فقط، وإنما تكوين إنسان قادر على العمل والانضباط وتحمل المسؤولية.
ثم جاءت تجربة الباوهاوس (Bauhaus) التي تأسست في ألمانيا عام 1919، وربطت بين التعليم الفني والعمل في الورش. فلم يكن الطالب يكتفي بدراسة التصميم والفن نظريًا، بل يتعامل مع الخشب والمعدن والزجاج والنسيج وغيرها من المواد، ويتعلم من خلال التجربة المباشرة.
وبذلك أصبحت الورشة جزءًا من العملية التعليمية، وليست مجرد مكان للعمل.
من المدرسة إلى سوق العمل
تطورت هذه الفكرة في ألمانيا لاحقًا إلى ما يعرف بـ نظام التعليم والتدريب المهني المزدوج.
ويقوم هذا النظام على الجمع بين:
التعليم النظري في المدرسة المهنية، والتدريب العملي داخل الشركة أو مكان العمل.
فيتعلم الشاب أساسيات المهنة، ثم يطبقها في بيئة عمل حقيقية، ويتعلم في الوقت نفسه الانضباط، ودقة العمل، واستخدام الأدوات، وتحمل المسؤولية.
وهنا تكمن قوة التجربة الألمانية؛ فهي لا تضع التعليم النظري في مواجهة العمل المهني، وإنما تجمع بينهما.
لماذا نحتاج إلى التعلم بالممارسة؟
لأن بعض المهارات لا يمكن أن يتعلمها الإنسان من الكتب مهما قرأ.
فالنجار يحتاج إلى أن يمسك الخشب، والحداد إلى أن يتعامل مع الحديد، والكهربائي إلى أن يتعامل مع الدوائر، والميكانيكي إلى أن يفكك ويركب ويكتشف العطل.
وفي الممارسة يتعلم الإنسان أيضًا من أخطائه. فالخطأ في العمل ليس مجرد فشل، وإنما فرصة لمعرفة السبب وتصحيحه وإعادة المحاولة.
ولهذا فإن العمل المهني والحرفي ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل يمكن أن يكون وسيلة لبناء الإنسان نفسه.
أخيراً إن فكرة التعلم بالممارسة لا تعني إلغاء التعليم النظري، وإنما تعني ألا يبقى التعليم منفصلًا عن الواقع.
فالكتاب يعطي المعرفة، ولكن العمل يحول المعرفة إلى مهارة.
وربما كان هذا أحد أهم الدروس التي يمكن الاستفادة منها من التجربة الألمانية: أن المدرسة يمكن أن تكون مكانًا للتعلم والعمل معًا، وأن الحرفة ليست تعليمًا من الدرجة الثانية، بل مجالًا يمكن من خلاله بناء الإنسان المنتج والقادر على الاعتماد على نفسه.
فالسؤال الحقيقي في التعليم ليس فقط: ماذا يعرف الإنسان؟
بل أيضًا: ماذا يستطيع أن يصنع بيديه؟