سعدون مطلق السوارج
ليست قيمة التاريخ في عدد السنين التي تفصلنا عنه، بل في قدرته على أن يفسّر لنا المكان والإنسان والتحولات التي صنعت الحاضر. ومن هنا تكتسب جلسة «الموروث الحضاري للمملكة» ضمن مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» أهميتها؛ فهي لا تتعامل مع التراث بوصفه ذاكرةً جامدة، وإنما تفتحه بوصفه علمًا قابلًا للبحث، وشاهدًا على حضارات متعاقبة، ومصدرًا لفهم أعمق للإنسان الذي عاش على هذه الأرض، وترك فيها أثره قبل آلاف السنين.
فالمملكة العربية السعودية تقف اليوم أمام خريطة حضارية لا تختصرها مرحلة تاريخية واحدة، ولا تختزلها مواقع منفردة؛ بل تمتد جذورها في عمق الجزيرة العربية، من عصور ما قبل التاريخ، إلى الممالك القديمة، ثم المراحل الإسلامية والتاريخية اللاحقة. وتؤكد قائمة اليونسكو أن المملكة تضم اليوم ثمانية مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، سبعة منها ثقافية وموقع طبيعي واحد، بينها الحجر، والدرعية التاريخية، وجدة التاريخية، وحمى الثقافية، والفنون الصخرية في حائل، والأحساء، وعرق بني معارض، والمشهد الثقافي لمنطقة الفاو الأثرية.
وهنا لا يعود الأثر مجرد حجرٍ قديم؛ بل يصبح وثيقة.
الأثر لا يطلب منا أن نُعجب به فقط؛ بل أن نقرأه.
فالنقش الصخري يروي قصة كتابة ولغة، والإناء الفخاري يكشف جانبًا من الحياة اليومية، والبئر يشرح علاقة الإنسان بالماء، والطريق القديم يكشف حركة التجارة والتنقل، والمدفن يضيء جانبًا من معتقدات المجتمعات، والمدينة المندثرة تختزن نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا كاملًا. وكلما اقترب الباحث من هذه التفاصيل، تحولت الأرض من مساحة جغرافية إلى أرشيف مفتوح.
ولعل واحدة من أكثر الصور إثارة في هذا السياق ما تكشفه العلوم الحديثة عن طبيعة الجزيرة العربية نفسها. فالدراسات الجيولوجية والمناخية والأثرية لم تعد تنظر إلى الصحراء الحالية باعتبارها الصورة الوحيدة لماضي المنطقة؛ إذ تشير الأدلة إلى فترات رطبة متعاقبة شهدت خلالها أجزاء واسعة من الجزيرة العربية وجود بحيرات وأنهار ومراعٍ ومساحات عشبية.
وفي دراسة علمية قادتها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بالتعاون مع مؤسسات دولية، كُشفت أدلة على بحيرة قديمة في الربع الخالي بلغت مساحتها التقديرية نحو 1100 كيلومتر مربع، وعمقها نحو 42 مترًا، إلى جانب مجرى مائي قديم امتد قرابة 150 كيلومترًا، ضمن مرحلة مناخية عُرفت باسم «العربية الخضراء» امتدت تقريبًا بين 11 ألف و5500 عام مضت.
وهذه المعلومات لا تمنحنا صورة شاعرية عن ماضٍ أخضر فحسب؛ بل تعيد تشكيل فهمنا لحركة الإنسان في الجزيرة العربية، وتضع البيئة والمناخ والمياه والهجرة والاستقرار في سياق تاريخي واحد. فالجغرافيا نفسها كانت تتغير، والإنسان كان يتفاعل معها، ثم يعيد تشكيل حياته وفق تحولاتها.
ومن هنا تظهر أهمية الآثار بالنسبة إلى المؤرخ وعالم الآثار والباحث واللغوي؛ لأنهم لا يبحثون عن الماضي لمجرد استعادته، بل يحاولون إعادة تركيب المشهد الإنساني من شواهده الأصلية.
وتزداد الصورة وضوحًا حين نتأمل موقع الجزيرة العربية في شبكات التجارة القديمة. فقد كانت طرق البخور والتجارة تصل جنوب الجزيرة بشمالها، وكانت العلا ومناطق أخرى محطات رئيسية في حركة السلع والأفكار والبشر. ولم تكن تلك الطرق مجرد مسارات للقوافل؛ بل كانت شرايين حضارية نقلت البضائع واللغات والخبرات والتأثيرات بين مناطق متباعدة.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة الملكية لمحافظة العلا أن المنطقة كانت جزءًا من شبكات طريق البخور القديمة، فيما تشير شراكاتها الحديثة مع الصين إلى تاريخ مشترك يمتد لأكثر من 1400 عام ضمن شبكات طريق البخور وطرق الحرير القديمة، مع انضمام العلا عضوًا مؤسسًا في التحالف الدولي لمدن طريق الحرير.
والأدق تاريخيًا ألا ننظر إلى «طريق الحرير» باعتباره طريقًا واحدًا مرسومًا بخط مستقيم على الخريطة؛ بل باعتباره شبكة واسعة من طرق التجارة والتبادل. وفي قلب هذه الشبكات كانت الجزيرة العربية قادرة على أداء دور الوسيط والجسر بين عوالم متعددة.
ولذلك، فإن اكتشاف موقع أثري جديد في المملكة لا يعني إضافة رقم إلى سجل المواقع فقط؛ وإنما قد يعني إضافة صفحة جديدة إلى تاريخ المنطقة.
والعمل الجاري اليوم يقدم أمثلة واضحة على ذلك. ففي محافظة المهد وحدها وثقت هيئة التراث خلال موسم المسح الأثري الأخير 1774 مكتشفًا أثريًا، بينها 461 نقشًا إسلاميًا، و34 نقشًا ثموديًا، و1259 رسمًا صخريًا، إلى جانب منشآت وقصور ومبانٍ وآبار وطرق قوافل تاريخية.
وفي العلا، تجاوز عدد المواقع ذات الأهمية الأثرية التي جرى تسجيلها 30 ألف موقع، مع مشاركة أكثر من مئة عالم آثار ومتخصص في البرامج البحثية والحفظية.
هذه الأرقام تكشف أن المملكة لا تتعامل مع الآثار باعتبارها ملفًا احتفاليًا، بل باعتبارها مشروعًا علميًا طويل المدى، يحتاج إلى التنقيب، والتوثيق، والتحليل، والترميم، والحفظ، ثم تقديم هذه المعرفة للناس في صورة قادرة على أن تصل إلى الأجيال الجديدة.
وهنا تأتي المتاحف.
فالمتحف الحديث ليس مستودعًا للقطع القديمة، وإنما مؤسسة تحفظ القطعة وسياقها وقصتها. قطعة واحدة قد تكون شاهدة على صناعة، أو تجارة، أو رحلة، أو معتقد، أو أسلوب حياة، وحين توضع في سياقها الصحيح تصبح أكثر من معروض؛ تصبح شاهدًا على زمن بأكمله.
وهذا التحول يتسق مع توجه المملكة في رؤية 2030 التي جعلت حماية التراث وتوثيقه وإتاحته جزءًا من مشروع ثقافي وتنموي أوسع، مع السعي إلى ترميم المواقع التاريخية وتسجيلها عالميًا وإنشاء متاحف قادرة على تقديم التراث بوصفه «شاهدًا حيًا» على مكانة المملكة في خريطة الحضارات الإنسانية.
ولذلك لم يعد التراث منفصلًا عن الاقتصاد أيضًا. ففي العلا، تتحول المواقع الأثرية والبحث العلمي والحفظ الثقافي إلى قاعدة لاقتصاد سياحي وثقافي جديد؛ وتشير الهيئة الملكية لمحافظة العلا إلى أكثر من 30 ألف موقع أثري مسجل، وإلى استثمارات بنية تحتية تتجاوز 10 مليارات ريال، مع تقدير مساهمة تراكمية تتجاوز 150 مليار ريال في الناتج المحلي للمملكة بحلول 2035.
إنها معادلة جديدة: حين يُحفظ التراث جيدًا، يصبح قادرًا على صناعة المعرفة والزيارة والوظيفة والاستثمار، من دون أن يفقد قيمته التاريخية.
وفي هذا السياق تأتي جلسة «الموروث الحضاري للمملكة» في مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026» بوصفها إضافة نوعية؛ فالمؤتمر، الذي تنظمه وزارة الداخلية برعاية صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية، يجمع أكثر من 160 متحدثًا وأكثر من 30 جهة، ويقدم عشرات الجلسات والحوارات والتجارب المعرفية والثقافية على مدى ثلاثة أيام.
وتكتسب الجلسة قيمتها من طبيعة المشاركين أنفسهم؛ إذ يجتمع فيها تخصص الآثار والحضارات واللغات السامية مع التاريخ القديم والتراث الثقافي والتاريخ والتحقيق العلمي. ومن بين الأسماء المشاركة أ.د. سعيد بن فايز السعيد، المتخصص في الآثار والحضارات واللغات السامية والحائز جائزة الملك فيصل العالمية، وأ.د. بشار عواد معروف، الباحث والمؤرخ والمحقق والحائز الجائزة نفسها، وأ.د. سلمى بنت محمد هوساوي، أستاذة التاريخ القديم وخبيرة التراث الثقافي بجامعة الملك سعود.
وهذه النوعية من المشاركات هي التي تمنح الحوار قيمته الحقيقية؛ لأن التراث لا يمكن أن يقرأ من زاوية واحدة. إنه يحتاج إلى المؤرخ، وعالم الآثار، واللغوي، والمتخصص في المتاحف، والباحث في الجغرافيا والبيئة، ثم إلى مؤسسات قادرة على تحويل نتائج البحث إلى معرفة عامة تحفظها الأجيال.
ولعل القيمة الأعمق للمؤتمر أنه يضع التاريخ في مساحة الحوار، لا في مساحة الاستعراض. فالمعرفة التاريخية حين تلتقي بالبحث العلمي، وتتحول إلى متاحف ومواقع محفوظة وأرشيفات رقمية وتجارب تعليمية وسياحة ثقافية، فإنها تصبح جزءًا من بناء الإنسان نفسه.
الأمم لا تحفظ تاريخها خوفًا من النسيان فقط؛ بل لأنها تعرف أن من يملك ذاكرته، يملك القدرة على تفسير حاضره وصناعة مستقبله.
وهنا تتضح دلالة العنوان الذي اختاره المؤتمر: «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء». فحماية المكان، وحفظ الذاكرة، وصون الهوية، وتوثيق الرواية، كلها تتكامل حين تنظر الدولة إلى تاريخها باعتباره أصلًا من أصول قوتها الناعمة ومعرفتها الوطنية.
وفي المملكة اليوم، لم تعد الحجارة صامتة، ولا النقوش بعيدة عن متناول الباحث، ولا المواقع الأثرية مجرد أطلال تنتظر الزائر. هناك مشروع واسع لإعادة قراءة الأرض، واستعادة قصصها، وحفظ شواهدها، وتقديمها للعالم.
فما بين المعول الذي يكشف، والباحث الذي يفسّر، والمتحف الذي يحفظ، والدولة التي ترعى؛ تتشكل ذاكرة حضارية لا تنظر إلى الماضي بوصفه نهاية الطريق، بل بوصفه أحد أهم مفاتيح المستقبل.
وهذه هي الرسالة التي تجعل «الموروث الحضاري للمملكة» أكثر من جلسة في مؤتمر؛ إنها نافذة تُفتح على أرضٍ كلما ظننا أننا عرفنا تاريخها، كشفت لنا طبقةً أخرى من الحكاية.