د.الجواهر عبدالله بن دهيش
أدى التطور الصناعي والتوسع الحضري والنمو السكاني السريع إلى زيادة سريعة في حجم النفايات الصلبة، والتي تشكل تهديدًا خطيرًا للبيئة، وأصبح التعامل معها وإدارتها واحدة من أكبر التحديات البيئية اليوم. وقد اتخذت الحكومات العديد من الطرق والتقنيات للتخلص من النفايات الصلبة وإعادة تدويرها، والتي تتطلب إدارتها تكاليف استثمارية عالية. إلا أنه لا تزال كميات كبيرة من النفايات الصلبة تلقى في مكبات النفايات، والتي تؤدي في النهاية إلى تلوث المياه والتربة. وتعتبر إدارة النفايات جزءًا لا يتجزأ من المجتمع المستدام، مما يستلزم تحويل النفايات العضوية المجتمعية القابلة للتحلل الحيوي من مكبات النفايات، إلى إدارة بديلة ومستدامة للتخلص من النفايات. وقد تناولت العديد من الدراسات في المملكة العربية السعودية مشكلة إدارة النفايات الصلبة العضوية، والحاجة إلى تطوير أساليب أكثر استدامة للاستفادة منها.
والسؤال الأهم: هو كيف نستفيد من القيمة في هذه المخلفات؟
تحتوي المخلفات العضوية من المزارع والمطابخ على المادة العضوية والعناصر الغذائية، والتي يمكن استعادتها وإدخالها إلى دورة الإنتاج، بدلًا من التخلص منها باعتبارها نفايات. ومن هنا تبرز أهمية تقنيات المعالجة الحيوية ومن ضمنها تقنية التسميد الدودي في استرداد المادة العضوية وتحويل المخلفات العضوية إلى منتج زراعي قيم وداعم للاقتصاد الدائري الزراعي. ويعد التسميد الدودي أحد التقنيات البيوتكنولوجية، الصديقة للبيئة والمجدية اقتصاديًا، والتي تتضمن تفاعلًا مشتركًا لديدان الأرض والكائنات الحية الدقيقة لتحويل النفايات العضوية إلى مادة عضوية غنية بالمغذيات النباتية والمفيدة للزراعة العضوية تعرف باسم السماد الدودي.وتستغرق عملية تكوين السماد الدودي من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، بدءًا من تعرض المواد الخام لديدان الأرض ومن ثم الحصول على السماد الدودي النهائي. وتعتمد على نوع المخلفات، تجهيز المخلفات، اختيار ديدان الأرض المناسبة ، توفير الظروف البيئية المناسبة، ومدة المعالجة ونضج المنتج النهائي. ورغم أن ديدان الأرض تعد عنصرًا أساسيًا في عملية التسميد الدودي. فإن الكائنات الحية الدقيقة تعمل على إنتاج الانزيمات التي تقوم بدور التحلل الكيمائي الحيوي للمواد العضوية، سواء كانت بكتريا من التربة، أو من أمعاء دودة الأرض، بينما تساهم ديدان الأرض في زيادة التنوع الميكروبي عن طريق تفتيت المادة العضوية الطازجة وابتلاعها، كما تتفاعل ديدان الأرض مع الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في التربة، والتأثير على مجتمعات الكائنات الحية الدقيقة المختلفة، مما ينتج عن ذلك تغير في خصائص المادة العضوية وتحويلها إلى منتج أكثر استقرارًا.وقد أثبتت العديد من الدراسات أن السماد الدودي مثاليا الزراعة العضوية، حيث يحتوي على جودة عالية من الدبال، وتوافر المغذيات النباتية، وهرمونات النمو، ويحفز نمو الجذور مما يؤدي إلى امتصاص أفضل للماء والعناصر الغذائية، كما يتميز السماد الدودي بخصائص فيزيائية وكيمائية جيدة مثل المسامية العالية والتهوية والقدرة على الاحتفاظ بالماء وتنظيم درجة الحموضة، كما تساهم الإفرازات الإنزيمية والميكروبية الموجودة فيه في نمو المحاصيل ومقاومتها للأمراض والآفات. ونظرًا لفوائد السماد الدودي العديدة في استعادة خصوبة التربة وإدارة النفايات العضوية بفعالية عالية، فقد حظي السماد الدودي باهتمام بالغ لدى كثير من الاحثين والمزارعين العضويين، وقد أشارت نتائج أعداد كبيرة من الدراسات إلى أن السماد الدودي له من الآثار الإيجابية الكبيرة على مؤشرات النمو والإنتاج. ولتحقيق أفضل استجابة للنمو والإنتاج للنبات، يجب مراعاة التركيز المناسب للسماد الدودي، وخصائصه، وطريقته، ونوع النفايات المستخدمة. وغالبًا ما تحتوي النفايات على ملوثات مثل المعادن الثقيلة السامة، لذا فإن وجود المعادن الثقيلة والنفايات الصناعية يشكل تحديا أمام نجاح المعالجات الحيوية. لذلك يجب التعامل مع المخلفات غير العضوية وبعض الملوثات والمعادن الثقيلة داخل سياق التسميد الدودي، ومعالجتها مسبقًا قبل البدء بعملية التسميد.
فالسماد الدودي يبدأ من معرفة، وفرز النفايات، واختيار المدخلات، وما يناسبها من المعالجة، مع توفير الظروف البيئية المناسبة لها، وذلك من خلال التدريب الجيد والإدارة الصحيحة لعملية التسميد الدودي. فالمعالجة الحيوية بالتسميد الدودي تتيح مسارا مستداما في الإدارة الأمنة لجزء من هذه المخلفات، ودعم للاقتصاد الدائري الزراعي، ويفتح المجال أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي ترتبط بالتسميد الدودي. وتتميز المملكة العربية السعودية باختلاف مناطق البيئات الزراعية، والمحاصيل الزراعية المتنوعة، ومصادر مختلفة للمخلفات، وبالتالي ليس المهم فقط كيف نتخلص من هذه المخلفات؟ وإنما إبراز الدور الأهم لإدارة المادة العضوية والاستفادة من تقنيات التسميد الدودي في تثمين المخلفات العضوية، والمحافظة على خصوبة الأراضي الزراعية، واستدامة الإنتاج الزراعي. وبالتالي يمكن تحويل جزء من المخلفات الغذائية والزراعية من عبء بيئي إلى مورد زراعي قيم يخدم التربة والنبات ويعزز مفهوم الاستدامة.
المخلفات العضوية - التسميد الدودي - السماد الدودي - تحسين التربة - نمو النباتات وزيادة إنتاجيته - مخلفات عضوية أخرى جديدة - الزراعة المستدامة والاقتصاد الزراعي
المراجع:
Dey Chowdhury et al. (2023).A critical review on the vermicomposting of organic wastes as a strategy in circular bioeconomy: mechanism, performance, and future perspective.
Alshehrei الجزيرة Ameen (2021)-Vermicomposting: A management tool to mitigate solid waste.
Thirunavukkarasu et al. (2023) -Sustainable organic waste management using vermicomposting: a critical review on the prevailing research gaps and opportunities.
** **
- أستاذ في علم البيئة