عبدالعزيز المعيرفي
عندما تتجول في وسط الرياض اليوم، تلاحظ التناقض بين قيمة المكان وما تحقق فيه وما لا يزال ينتظر التطوير. نحن في قلب العاصمة، حيث تكتمل الخدمات، وتصل شبكة المترو إلى مختلف محاورها، وتوجد مقار جهات حكومية وشركات كبرى، ومع ذلك لا تزال بعض الأحياء تضم مباني متهالكة أو مهجورة، وأراضي بيضاء، ومواقف سيارات تشغل مساحات واسعة، وأصولا حكومية لا تستغل بكامل طاقتها.
وتطوير وسط الرياض ليس فكرة جديدة. ففي عام 2013 أطلقت الهيئة الملكية لمدينة الرياض «برنامج تطوير وسط الرياض»، بهدف إعادة المنطقة إلى دورها كقلب تاريخي وإداري واقتصادي وثقافي للعاصمة، وشملت الرؤية تطوير قصر الحكم والظهيرة والدحو والبطحاء والأسواق التاريخية، وتحسين حركة المشاة والمساحات المفتوحة، وتعزيز الأنشطة التجارية والثقافية والسياحية، وربط المنطقة بالنقل العام وإشراك القطاع الخاص.
وقد تحقق الكثير من هذه الرؤية، وشهد وسط الرياض تطوير أجزاء مهمة، من بينها حي الدحو والمساحات المفتوحة ومشاريع تحسين المشهد الحضري، وهي جهود كبيرة ومقدرة أسهمت في الحفاظ على هوية المنطقة وتحسين جودة المكان. لكن حجم وسط الرياض والفرص الموجودة فيه يجعل الحاجة إلى مواصلة العمل كبيرة.
اليوم أصبحت الظروف أكثر ملاءمة. شبكة النقل العام أصبحت واقعا، والرياض تشهد نموا اقتصاديا وسكانيا متسارعا، ومع تأسيس شركة تطوير وسط مدينة الرياض التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تتوفر فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر عملية في تعظيم قيمة أصول المنطقة وإعادة إحياء أحيائها.
والبداية، في تقديري، تكون بحصر الأصول الحكومية والخاصة، من الأراضي والمباني والمواقف والمساحات غير المستغلة، وتحديد المواقع والأحياء ذات الأولوية، ثم تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.
يمكن إعادة تطوير العقارات المتهالكة والأراضي البيضاء، فيما يمكن استبدال مواقف السيارات السطحية بمواقف متعددة الأدوار تخدم موظفي الجهات القريبة وتحرر الأراضي لاستخدامات أكثر كفاءة.
كما يمكن استثمار المساحات والأراضي المحيطة بمقار الجهات الحكومية في إنشاء مجمعات خدمية مصغرة تضم المطاعم والمقاهي والخدمات اليومية والأندية الرياضية، إلى جانب المساحات الخضراء ومناطق الجلوس. وهي مشاريع تعزز تجربة الموظف، وتخلق حركة تجارية، وتعيد الحياة إلى الأحياء طوال اليوم، وتخدم السكان والزوار في الوقت نفسه.
ويمكن كذلك أن تكون الشركة شريكا في استثمار الأراضي وبناء مقرات ومجمعات مكتبية جديدة للجهات الحكومية والشركات التي تحتاج إلى التوسع، مع تعظيم الاستفادة من المباني القائمة وزيادة طاقتها الاستيعابية وتحسين كفاءة المساحات وبيئة العمل، دون المساس بالجهات التي تتطلب مقرات خاصة لأسباب تشغيلية أو أمنية.
ولتحويل ذلك إلى واقع، نحتاج إلى برنامج تنفيذي مشترك بين شركة تطوير وسط الرياض، والهيئة الملكية لمدينة الرياض، وأمانة منطقة الرياض، وهيئة عقارات الدولة ومالكي الأراضي، يبدأ بعدد من المواقع ذات الأولوية، ويقيس أثرها على قيمة الأصول، والنشاط التجاري، وجودة المكان وتجربة الموظفين والسكان والزوار، ثم يتوسع في النماذج الناجحة.
وسط الرياض لا يحتاج إلى مزيد من الخطط بقدر حاجته إلى تفعيل الفرص الموجودة وإعادة إحياء أحيائه.
فالهدف ليس بناء المزيد من المباني فقط، بل إعادة البهجة إلى الشوارع، وتعظيم قيمة الأصول، وخلق بيئة أكثر أنسنة وحيوية للموظف والساكن والزائر.