خالد قاسم أبو بكر
تتجه العلاقات الاقتصادية بين المملكة العربية السعودية وسوريا إلى مرحلة جديدة، تتجاوز حدود التجارة التقليدية والمساعدات وإعادة تأهيل ما دمرته سنوات الحرب، نحو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على دعم الاقتصاد السوري وفتح المجال أمام استثمارات صناعية طويلة الأجل، وفي هذا السياق تدرس الرياض ودمشق إنشاء مدينة صناعية أو عدة مدن صناعية في سوريا، تضم مناطق متخصصة للاستثمارات السعودية، في خطوة يمكن أن تشكل أحد المسارات المهمة لدعم إعادة الإعمار واستقطاب رؤوس الأموال الصناعية.
وكشف محمد ياسين حورية، معاون وزير الاقتصاد والصناعة السوري، أن مباحثات جرت خلال الفترة الماضية مع وزارة الصناعة والثروة المعدنية السورية والجهات المعنية بالمدن الصناعية في المملكة، وشملت عقد ورشة عمل فنية لبحث إنشاء هذه المدن، من بينها مدينة مقترحة في حلب، ولا يزال المشروع قيد الدراسة لدى الجانبين، إلا أن فكرته تحمل دلالات اقتصادية مهمة، خصوصًا أن سورية تحتاج في مرحلة إعادة الإعمار إلى استثمارات لا تقتصر على إعادة بناء المنشآت والبنية التحتية، وإنما تسهم في إعادة تأسيس النشاط الصناعي وخلق فرص العمل وزيادة الإنتاج المحلي، وتبرز صناعات مرتبطة مباشرة باحتياجات إعادة الإعمار ضمن القطاعات المطروحة، وفي مقدمتها الأسمنت والكابلات، إلى جانب دراسة فرص في الصناعات التكنولوجية بالتعاون مع الجهات السعودية المعنية بالمدن الصناعية، ويعني ذلك أن المدن المقترحة يمكن أن تتحول، إذا اكتملت دراستها وتنفيذها، إلى منصات إنتاجية مرتبطة باحتياجات السوق السورية ومشروعات إعادة الإعمار في الوقت نفسه.
وتكتسب مشاركة الاستثمارات السعودية أهمية خاصة في هذه المرحلة، في ظل دخول استثمارات سعودية إلى سورية خلال الفترة الماضية في قطاعات عدة، بينها التطوير العقاري والاستثمارات الصناعية والزراعية، كما يمثل تشكيل مجلس الأعمال السوري - السعودي إطارًا مهمًا لتطوير العلاقات بين المستثمرين ورجال الأعمال في البلدين، ودعم إقامة مشروعات وشراكات جديدة.
ولا ينفصل المسار الصناعي عن تنامي حركة التجارة بين البلدين؛ إذ تشير التصريحات السورية إلى ارتفاع الصادرات السعودية إلى سورية، خصوصًا المنتجات المرتبطة بمتطلبات إعادة الإعمار، في مقابل تصدير المنتجات الغذائية وغيرها من السلع السورية إلى السوق السعودية.
وفي الوقت نفسه، ما زالت حركة التجارة تواجه بعض التحديات اللوجستية التي يجري العمل على معالجتها، بينما يمنح الموقع الجغرافي لسورية أهمية إضافية باعتبارها ممرًا لحركة الترانزيت باتجاه المملكة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع معرض «سيركس» للصناعات السورية في جدة، بمشاركة أكثر من 160 شركة سورية في قطاعات غذائية ونسيجية وكيميائية وهندسية، بما يعكس رغبة الشركات السورية في توسيع حضورها في السوق السعودية وبناء شراكات تجارية واستثمارية جديدة.
كما شهد التعاون في قطاع المعارض نشاطًا متزايدًا، مع مشاركة الشركات السعودية في معرض دمشق الدولي، حيث أُعلن عن توقيع مذكرات تفاهم تجاوزت قيمتها 500 مليون دولار، مع تطلع الجانب السوري إلى تحويلها إلى عقود واستثمارات فعلية.
إن إنشاء مدن صناعية متخصصة للاستثمارات السعودية لا يمثل مجرد مشروع اقتصادي جديد، بل يمكن أن يكون نموذجًا لشراكة تنموية طويلة المدى بين الرياض ودمشق، تنتقل بالعلاقات الاقتصادية إلى مستوى أكثر تكاملًا، بحيث تصبح الاستثمارات السعودية جزءًا من عملية إعادة بناء القدرة الإنتاجية السورية، وفي الوقت ذاته تفتح أمام المستثمر السعودي فرصًا في سوق تحتاج إلى مختلف الصناعات والخدمات المرتبطة بمرحلة إعادة الإعمار.