صبحي شبانة
في الشرق الأوسط، قد لا تكون أخطر الحروب هي تلك التي تُخاض بالصواريخ والطائرات، بل تلك التي تُدار خلف الأبواب المغلقة، حيث تتقاطع الخصومة مع التفاوض، والتصعيد مع البحث عن تفاهمات تحفظ لكل طرف مصالحه، وبينما تبدو إيران وإسرائيل في مواجهة مفتوحة، تثير التحركات المتزامنة في لبنان والضفة الغربية سؤالًا أكثر خطورة: هل يجري في الخفاء رسم حدود جديدة للمواجهة، تسمح لطهران وتل أبيب بإدارة صراعهما دون الذهاب إلى حرب شاملة، بينما تُترك الساحات العربية، وفي مقدمتها لبنان وفلسطين، لتدفع ثمن هذه التفاهمات المحتملة؟، فما يجري على الأرض لا يوحي فقط بحرب مفتوحة، وإنما بإعادة ترتيب للأدوار والأولويات؛ إيران تبحث عن مخرج يحفظ نفوذها وأوراقها، وإسرائيل تستثمر انشغال المنطقة لتثبيت وقائع جغرافية جديدة، فيما تنشغل واشنطن بإدارة الصراع الأكبر، وبين هذه الحسابات المتشابكة يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام مجرد تزامن في المصالح، أم أمام تفاهمات غير معلنة بين طهران وتل أبيب، يكون ثمنها لبنان وفلسطين؟
ليس ثمة ما يسمح حتى الآن بالتعامل مع وجود صفقة إيرانية – إسرائيلية سرية باعتبارها حقيقة مكتملة، لكن السياسة لا تُقرأ دائمًا من خلال الوثائق الموقعة أو البيانات الرسمية، وإنما من خلال تتابع الأحداث، وتزامن التحركات، وطبيعة النتائج التي تخرج من قلب الأزمات، وعندما تتكرر الوقائع بصورة تجعل المصادفة تفسيرًا غير كافٍ، يصبح السؤال مشروعًا، بل يصبح واجبًا على المحلل السياسي أن يطرحه: هل ثمة تفاهمات خلف الستار؟ وهل يجري توزيع الأدوار بحيث تبدو المنطقة كلها في حالة حرب، بينما يجري في الوقت نفسه إعداد تسويات جديدة لا يعرف تفاصيلها سوى عدد محدود من الاطراف؟، المشهد اللبناني يقدم واحدة من أكثر الإشارات إثارة لهذا السؤال، فمنذ اتساع المواجهة الإقليمية تحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة للضغط الإسرائيلي، وأصبح الجنوب اللبناني يعيش بين نار الغارات الإسرائيلية وضغوط الترتيبات الأمنية الجديدة، بينما تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، فهي مطالبة باستعادة سيادتها وقرارها، لكنها في الوقت نفسه تواجه واقعًا فرضته سنوات طويلة من الصراع الإقليمي واستخدام الأراضي اللبنانية كساحة لتبادل الرسائل بين القوى المتصارعة.
وإذا كانت إسرائيل تقول إن تحركاتها العسكرية في لبنان تستهدف منع حزب الله من إعادة بناء قدراته وفرض واقع أمني يحمي حدودها، فإن إيران، التي بنت جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي على وجود حزب الله بوصفه إحدى أهم أوراقها في المنطقة، لا تبدو مستعدة لدفع ثمن حرب شاملة من أجل كل موقع وكل جبهة، وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إثارة في المشهد، فطهران تحتاج إلى حزب الله كورقة نفوذ وردع، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على هذه الورقة، وليس استنزافها في حرب مفتوحة قد تؤدي إلى تدميرها أو تقليص قدرتها على استخدامها مستقبلًا.
وهكذا يصبح لبنان في قلب معادلة شديدة القسوة، إسرائيل تريد إبعاد حزب الله عن حدودها، وإيران تريد الاحتفاظ به كورقة ضغط ونفوذ من دون أن تتحمل بالضرورة كلفة حرب طويلة بسببه، والولايات المتحدة تريد صيغة أمنية تقلص نفوذ إيران وتحفظ أمن إسرائيل، بينما يريد لبنان أن يعيش كدولة طبيعية، وأن تتوقف الضربات، وأن يعود النازحون إلى قراهم، وأن تكون الدولة وحدها صاحبة القرار في الحرب والسلم.
لبنان يدفع ثمن صراعات لم يكن طرفًا فيها، ويجد نفسه مرة أخرى بين مشروع إيراني يستخدمه ورقة في الصراع الإقليمي، ومشروع إسرائيلي يريد إعادة تشكيل حدوده الأمنية، وضغط أمريكي يسعى إلى فرض ترتيبات جديدة، بينما تحاول الدولة اللبنانية استعادة قرارها وسيادتها وسط واقع عسكري وسياسي شديد التعقيد، وفي المقابل فإن إسرائيل لا تتحرك في لبنان وحده، بل يبدو واضحًا أنها تعمل على أكثر من مسار في الوقت نفسه، ففي الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بالمواجهة مع إيران وتداعياتها على الخليج ومضيق هرمز، تواصل إسرائيل تحركاتها في الضفة الغربية، حيث تتسع دائرة النشاط الاستيطاني والوجود العسكري والضغوط على الفلسطينيين، في مسار لا يبدو منفصلًا عن الرؤية الإسرائيلية الأوسع لمستقبل الأراضي الفلسطينية، وهنا تصبح الصورة أكثر إثارة للقلق، فكلما ارتفع مستوى التوتر حول إيران، انخفضت قدرة المجتمع الدولي على التركيز على فلسطين، وكلما انتقلت الأنظار إلى لبنان، وجدت إسرائيل مساحة أكبر للتحرك في الضفة، وكلما انشغلت واشنطن بمفاوضات مع طهران، أو بإدارة أزمة الخليج ومضيق هرمز، أو بمحاولة احتواء حرب إقليمية واسعة، استطاعت الحكومة الإسرائيلية أن تستثمر الوقت في فرض وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، وهذه ليست بالضرورة صفقة مكتوبة بين إيران وإسرائيل، وإنما قد تكون أخطر من الصفقة المباشرة، لأنها تقوم على تقاطع مصالح وتفاهمات غير معلنة.
إيران تريد الخروج من المواجهة بأقل الخسائر، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من أوراق نفوذها، وفتح الطريق أمام تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، وإعادة ترتيب علاقتها مع الولايات المتحدة من موقع يسمح لها بالبقاء لاعبًا إقليميًا رئيسيًا، وإسرائيل تريد في المقابل التخلص من أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية، وإضعاف الأذرع التابعة لطهران، وتثبيت ترتيبات أمنية جديدة في محيطها، وخلق وقائع على الأرض في لبنان وغزة والضفة الغربية تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية تبدأ من واقع جديد فرضته القوة قبل أن تبدأ المفاوضات، وفي هذه النقطة يمكن أن تتقاطع المصالح، حتى وإن بقي العداء قائمًا في العلن، فالسياسة لا تعرف دائمًا الصداقة والعداء بمعناهما المطلق، وإنما تعرف المصالح والضرورات وتبادل الأوراق، وقد عرف تاريخ المنطقة تفاهمات واتصالات بين خصوم كانوا يتبادلون الاتهامات في العلن، ثم يلتقون في الغرف المغلقة عندما تتغير الحسابات، وليس غريبًا في عالم السياسة أن يفاوض الخصم خصمه في الوقت الذي يخوض فيه ضده حربًا، فالمفاوضات لا تبدأ دائمًا بعد توقف المدافع، وإنما قد تكون المدافع نفسها جزءًا من عملية التفاوض، ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أصبحت إيران وإسرائيل حليفتين؟
هذا السؤال لا معنى له، إنما السؤال الأكثر واقعية هو: هل تستطيع كل منهما أن تتعايش مؤقتًا مع تحركات الأخرى في بعض الساحات، مقابل تحقيق مكاسب أكبر في ساحات أخرى؟، وهل يمكن أن تتفقا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على حدود معينة للمواجهة، بحيث لا تتحول الحرب إلى صدام شامل يهدد مصالح الطرفين، بينما تبقى ساحات أخرى مفتوحة لإعادة ترتيب النفوذ؟، إذا كانت الإجابة نعم، فإن لبنان يصبح الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، كما تصبح القضية الفلسطينية أكثر عرضة لأن تتحول إلى ضحية للانشغال الإقليمي والدولي.
إسرائيل تريد أمنًا دائمًا على حدودها، وإيران تريد الحفاظ على نفوذها الإقليمي، والولايات المتحدة تريد إنهاء الملف الإيراني أو احتواءه ضمن ترتيبات تضمن أمن إسرائيل ومصالحها في المنطقة، بينما يريد الفلسطينيون دولة وحقوقًا وأرضًا، ويريد اللبنانيون دولة ذات سيادة لا تكون أراضيها أشبه بصندوق بريد لصراعات الآخرين، الفارق أن الأطراف الثلاثة الأولى تمتلك أدوات القوة والتفاوض، بينما لا يملك لبنان وفلسطين سوى أن يدفعا ثمن ما يتقرر بعيدًا عنهما، ففي فلسطين تتكرر الصورة بطريقة أكثر قسوة، فبينما يدور الحديث عن المفاوضات والتهدئة والحلول السياسية، تتحول الأرض نفسها إلى ساحة تفاوض صامت، مستوطنة هنا، طريق هناك، منطقة أمنية في مكان ثالث، إخلاء قرية، توسيع بؤرة استيطانية، أو فرض واقع عسكري جديد، وعندما يأتي وقت التسوية السياسية، تكون إسرائيل قد غيرت على الأرض الكثير مما كان يفترض أن يكون موضوعًا للتفاوض، وهنا يكمن الخطر الأكبر، وهو أن تتحول القضية الفلسطينية من قضية مركزية إلى ملف تابع، وأن يصبح مستقبل الفلسطينيين جزءًا من مقايضة إقليمية أكبر، يجري فيها التفاوض على البرنامج النووي الإيراني والعقوبات ومضيق هرمز وأمن إسرائيل والنفوذ الإيراني، بينما تتراجع فلسطين إلى الصفوف الخلفية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تخسر إيران جولة في مواجهة إسرائيل، ولا أن تحقق إسرائيل مكسبًا عسكريًا جديدًا، وإنما أن يتم التوصل إلى تفاهمات إقليمية كبرى لا يكون الفلسطينيون واللبنانيون طرفًا فيها، ثم يجدون أنفسهم مطالبين بدفع أثمانها، وهنا تحديدًا ينبغي التوقف أمام النشاط الإسرائيلي المتزامن في لبنان والضفة الغربية، لأن تزامن التحركات في الجبهتين مع تصاعد الحديث عن التفاوض والتهدئة مع إيران يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها، إسرائيل لا تتصرف كما لو أنها تنتظر نهاية المواجهة كي تبدأ إعادة ترتيب المنطقة، وإنما تتصرف وكأن الحرب نفسها أصبحت أداة لإعادة رسم هذه المنطقة، وتثبيت حقائق جديدة قبل أن تجلس الأطراف إلى طاولة التفاوض، ففي لبنان تظهر محاولات تثبيت ترتيبات أمنية جديدة، بينما تتمسك إسرائيل بمواقع ومناطق تعتبرها ضرورية لأمنها، وفي الضفة الغربية تتواصل الضغوط العسكرية والاستيطانية، بما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الدولة الفلسطينية وإمكان قيامها أصلًا، وبين الجبهتين يبدو أن إسرائيل تعمل على تحويل اللحظة الإقليمية المضطربة إلى فرصة استراتيجية طويلة المدى، أما إيران فتبدو أمام حساب أكثر تعقيدًا، فهي لم تعد قادرة على التعامل مع المنطقة بالطريقة نفسها التي كانت تتعامل بها قبل سنوات، بعد أن تعرض نموذج نفوذها الإقليمي لضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية كبيرة، وهذا يجعل طهران أكثر حاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها بدلًا من الدخول في حرب مفتوحة طويلة تستنزف ما تبقى من قوتها وقدرتها على المناورة.
يمكن فهم كثير من السلوك الإيراني باعتباره بحثًا عن مخرج، وليس بالضرورة بحثًا عن نصر كامل، فالمنتصر في مثل هذه الحروب ليس دائمًا من يحتل الأرض، وإنما من يدخل إلى طاولة المفاوضات وهو يحمل أكبر عدد ممكن من الأوراق، وإيران تعرف أن حزب الله ورقة، واليمن ورقة، ومضيق هرمز ورقة، والبرنامج النووي ورقة، والعراق وسوريا أوراق أخرى، وأن قيمة هذه الأوراق لا تكمن فقط في استخدامها، وإنما في القدرة على التلويح بها ثم التراجع خطوة عندما يصبح ثمن استخدامها أعلى من فائدته، ولهذا ربما لا تكون القضية في وجود صفقة سرية بالمعنى التقليدي، وإنما في وجود تفاهمات متحركة، تتشكل وفق اللحظة، وتُبنى على قاعدة أن لكل طرف خطوطه الحمراء ومصالحه، وأن بعض الساحات يمكن أن تكون مجالًا للمواجهة، بينما تصبح ساحات أخرى مجالًا لتبادل الرسائل أو اختبار التفاهمات، وربما تكون هناك قنوات اتصال لا نعرف عنها شيئًا، وربما تكون بعض التطورات مجرد نتيجة طبيعية لتغير ميزان القوى، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن النتائج على الأرض تخدم في بعض الأحيان أهدافًا متقاطعة، حتى وإن اختلفت دوافع أصحابها.
ليس مطلوبًا أن تكون هناك غرفة واحدة يجلس فيها الإيراني والإسرائيلي والأمريكي ويتقاسمون خرائط المنطقة حتى نكتشف أن مصالحهم قد تتقاطع، يكفي أن يتوصل كل طرف إلى أن الحرب الشاملة ليست في مصلحته، وأن عليه أن يختار بعناية أين يقاتل وأين يفاوض، وأين يصعّد وأين يخفض التصعيد، وأين يستخدم حلفاءه وأين يحافظ عليهم، لكن الخاسر في هذه اللعبة ليس بالضرورة الطرف الإيراني أو الإسرائيلي، وإنما الدول العربية التي تتحول أراضيها إلى ميادين لتطبيق التفاهمات واختبار القوة، فلبنان هو الذي يُقصف، وفلسطين هي التي تتآكل أرضها، واليمن هو الذي يدفع ثمن الصراع على الممرات البحرية، والعراق وسوريا يبقيان عرضة لارتدادات الصراع، بينما تتفاوض القوى الكبرى والإقليمية على مستقبل المنطقة من فوق خرائط لا تظهر عليها دائمًا أسماء الشعوب التي تدفع الثمن، فإذا كانت هناك بالفعل تفاهمات إيرانية–إسرائيلية غير معلنة، فإن أخطر ما فيها ليس مضمونها المباشر فقط، وإنما أن تكون لبنان وفلسطين جزءًا من ثمنها، وإذا لم تكن هناك صفقة فإن مجرد تقاطع النتائج والمصالح يفرض على العرب قراءة المشهد بعيون أكثر يقظة، لأن ما يجري في المنطقة ليس مجرد حرب بين إسرائيل وإيران، وإنما عملية واسعة لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ.
المنطقة تقف أمام لحظة شديدة الخطورة، لأن ما يجري الآن لا يتعلق فقط بنهاية حرب أو بداية أخرى، وإنما بإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في المنطقة، وما لم تكن الدول العربية حاضرة في صياغة هذه المعادلات، فإنها ستجد نفسها أمام خرائط جديدة صنعتها قوى أخرى، ثم طُلب منها التعايش معها، عندها لن تكون المنطقة قد خرجت من الحرب، وإنما دخلت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النفوذ والحدود وموازين القوة، بينما يكون العرب قد دفعوا مرة أخرى ثمن تسويات لم يكونوا طرفًا في صياغتها، ولهذا فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت هناك صفقة سرية بين طهران وتل أبيب، وإنما ما إذا كانت التفاهمات الإقليمية التي يجري بناؤها اليوم ستأتي على حساب لبنان وفلسطين، وتترك العرب خارج دائرة صناعة القرار، فالشرق الأوسط يقف أمام لحظة يعاد فيها رسم خرائطه، والخطر أن تتوقف المدافع بينما يستمر تغيير الوقائع على الأرض، وإذا كان لا بد من تسوية، فلا ينبغي أن تكون تسوية بين القوى المتصارعة على حساب الشعوب والدول التي دفعت ثمن صراعاتها.