د. يحيى جابر
شدّني مقال أستاذنا القدير الإعلامي خالد المالك بشأن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، إلى المملكة، لما حمله المقال من قراءة هادئة وعميقة لطبيعة العلاقات السعودية العُمانية، ولما تضمنه من تأكيد أن هذه العلاقة لا تحتاج إلى استدعاء كثير من الشواهد لإثبات قوتها، بقدر ما تحتاج إلى النظر في قدرتها على مواجهة تحديات الحاضر، وصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للبلدين والمنطقة، وقد وجدت في طرح الأستاذ خالد مساحة واسعة للتأمل في معنى أكبر من حدود العلاقة الثنائية، يتعلق بالأمن والسلام والمصير المشترك، فزيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة ولقاؤه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في جدة في الأول من سبتمبر 2026م، جاءت في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وتناولت، وفق ما أعلنته وكالة الأنباء السعودية، العلاقات الأخوية بين البلدين، ومجالات التعاون والفرص الواعدة لتطويرها، إلى جانب تطورات الأوضاع في المنطقة والجهود المبذولة للحفاظ على أمنها واستقرارها، «المصدر - وكالة الأنباء السعودية، المملكة العربية السعودية، خبر، سمو ولي العهد يلتقي سلطان عُمان، 1 سبتمبر 2026م»، وهنا تحديدًا تكمن أهمية الزيارة في تقديري، فهي لا تأتي في ظرف عادي يمكن أن تُقرأ فيه باعتبارها زيارة بروتوكولية أو مناسبة لتبادل التأكيدات بشأن العلاقات التاريخية، وإنما تأتي في منطقة تحتاج إلى المزيد من التشاور، وإلى أصوات سياسية قادرة على تغليب العقل والحوار، وإلى تعاون بين الدول التي تدرك أن استمرار الاستقرار ليس مصلحة سياسية فحسب، وإنما ضرورة اقتصادية وتنموية وإنسانية، واتفق مع الأستاذ خالد المالك في أن قوة العلاقات السعودية العُمانية ليست بحاجة إلى مبالغة في الوصف، فالأهم من الحديث عن متانتها هو البحث في القيمة التي يمكن أن تنتجها هذه المتانة، وهنا أرى أن القيمة الحقيقية تتمثل في تحويل الثقة السياسية المتراكمة بين الرياض ومسقط إلى قوة إضافية للأمن والسلام، وإلى تعاون أوسع في المجالات التي تمس حياة الشعبين ومستقبل المنطقة، لقد انتقلت العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى أكثر تنظيمًا من خلال مجلس التنسيق السعودي - العُماني، الذي تأسس عام 2021م ليكون إطارًا مؤسسيًا لتطوير التعاون في مجالات سياسية وأمنية واقتصادية وتنموية متعددة، وهذه النقلة مهمة؛أن العلاقات الراسخة تحتاج إلى مؤسسات تحفظ استمراريتها، وتحول التفاهم السياسي إلى برامج ومبادرات ومشروعات قابلة للقياس والتنفيذ، ومن المهم هنا ألا ننظر إلى مجلس التنسيق باعتباره مجرد إطار للاجتماعات، وإنما باعتباره أداة لبناء المصالح المشتركة، فكلما اتسعت المصالح الاقتصادية والاستثمارية والتنموية بين البلدين، أصبحت العلاقة أكثر قدرة على الصمود أمام المتغيرات، وأصبح التعاون أكثر ارتباطًا بحياة المواطنين والقطاع الخاص والمؤسسات، وليس محصورًا في المستوى السياسي الرسمي، وقد شهد مسار المجلس إطلاق عشرات المبادرات في مجالات التعاون المختلفة، بما يعكس توجهًا نحو تحويل العلاقات السياسية إلى شراكات عملية، كما شهدت اجتماعاته اللاحقة توسيع مجالات التعاون لتشمل الاقتصاد والاستثمار والتجارة والصناعة والطاقة والسياحة والثقافة وغيرها، «المصدر - وزارة الخارجية بالمملكة العربية السعودية، المملكة العربية السعودية، أعمال مجلس التنسيق السعودي العُماني»، وأرى أن هذه النقلة من العلاقات إلى الشراكات هي أحد أهم المؤشرات التي ينبغي التوقف عندها، كالتعاون المثمر والبناء، والتنمية، ومن الشواهد العملية على ذلك الطريق البري الذي ربط المملكة بسلطنة عُمان عبر منفذ الربع الخالي، والذي افتتح عام 2021م، ليعزز حركة التنقل والتبادل التجاري ويربط البلدين بوسيلة نقل مباشرة، وهو مشروع يحمل قيمة اقتصادية وإستراتيجية تتجاوز فكرة الطريق ذاته، لأنه يحول الجغرافيا المشتركة إلى مجال للحركة والتكامل، «المصدر - وكالة الأنباء العُمانية، سلطنة عُمان، افتتاح الطريق البري الرابط بين المملكة وسلطنة عُمان، 2021م»، وهكذا تصبح التنمية جزءًا من منظومة الأمن، فالدول التي تتعاون اقتصاديًا، وتربط أسواقها، وتيسر حركة التجارة والاستثمار، وتفتح مجالات جديدة أمام القطاع الخاص، ولها مصير مشترك، تكون أكثر قدرة على بناء مصالح مشتركة تدفع باتجاه الاستقرار، لكنني أرى أن البعد الأهم في العلاقة السعودية - العُمانية اليوم هو الأمن والسلام، والتنمية، لأن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن المنطقة، كما أن أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة واستقرار حركة التجارة والطاقة لا تخص دولة واحدة، وإنما ترتبط بمصالح إقليمية ودولية واسعة، ومن هنا تبرز أهمية التشاور بين الرياض ومسقط، فالمملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وإستراتيجي، وسلطنة عُمان بما تملكه من خبرة دبلوماسية وعلاقات واتصالات واسعة، تستطيعان معًا أن تسهما في دعم مسارات الحوار والتهدئة، وأن تشكلا مساحة إضافية للتنسيق بشأن القضايا التي تمس أمن الخليج والمنطقة، وهذا لا يعني أن تتطابق مواقف البلدين في كل قضية أو أن تتطابق أدواتهما السياسية في التعامل مع الأزمات، فاختلاف التقديرات في بعض الملفات أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن الأهم هو أن يظل الاختلاف داخل مساحة الحوار لو حدث، وفي تقديري أن هذه إحدى أهم نقاط القوة في العلاقات السعودية العُمانية؛ فالعلاقة الناضجة ليست التي تلغي الاختلاف، وإنما التي تمتلك من الثقة ما يجعل الاختلاف قابلًا للإدارة، ومن المصالح المشتركة ما يمنع تحوله إلى أزمة، وهنا أعود إلى ما أثارني في مقال الأستاذ خالد المالك، فهو لا ينظر إلى زيارة السلطان هيثم للمملكة باعتبارها حدثًا منفصلًا عن سياقه، وإنما يربطها بالظروف التي تمر بها المنطقة، وبالحاجة إلى التعاون من أجل الوصول إلى حلول للأزمات بعيدًا عن التصعيد والحروب، وهذا الطرح في رأيي يفتح الباب أمام مفهوم أوسع للعلاقات السعودية العُمانية، هو مفهوم الشراكة من أجل السلام، فالسلام ليس موقفًا سياسيًا مجردًا، وإنما هو بيئة ضرورية للتنمية، والاستثمار، والسياحة، والتجارة، وحركة الأفراد، واستقرار المجتمعات، ولذلك فإن حماية السلام تعني في جانب منها حماية المشاريع التنموية التي تعمل عليها المملكة وسلطنة عُمان، وحماية مستقبل الأجيال القادمة، لقد أثبتت الأزمات الإقليمية أن الحرب لا تبقى داخل حدودها، وأن اضطراب دولة واحدة يمكن أن يؤثر في التجارة والطاقة والملاحة والاستثمار والأمن، ولذلك فإن التعاون السعودي العُماني في دعم الاستقرار ليس عملًا ثنائيًا محدود الأثر، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من منظومة أوسع لحماية الخليج والمنطقة من تداعيات الأزمات، وأعتقد أن المملكة وسلطنة عُمان تمتلكان فرصة مهمة لتعزيز هذا الدور، ليس من خلال الدخول في كل أزمة، وإنما من خلال تكريس مبادئ واضحة، كالحوار، والدبلوماسية والتنمية والسلام والأمن، واحترام سيادة الدول، والحفاظ على أمن الممرات البحرية، ودعم الحلول السياسية، ورفض تحويل الخلافات إلى حروب مفتوحة، وهذه المبادئ ليست مثالية بعيدة عن الواقع، بل هي ضرورات سياسية وأمنية، لأن المنطقة دفعت خلال عقود ثمنًا باهظًا للصراعات، وأصبح من حق شعوبها أن ترى أولوية أكبر للتنمية ولاستقرار وجودة الحياة، ومن هنا فإن المصير المشترك بين المملكة وسلطنة عُمان تشاركًا في المصالح والمسؤوليات والتحديات، فالمملكة وسلطنة عُمان تطلان على مساحات بحرية ذات أهمية إستراتيجية، وترتبطان بحركة التجارة والطاقة والملاحة في المنطقة، وتعملان على تنويع اقتصادي واسع، وتسعيان إلى جذب الاستثمارات وتنمية السياحة وتطوير البنية الأساسية، وكل هذه الملفات تحتاج قبل أي شيء إلى بيئة إقليمية مستقرة، ولهذا أرى أن الأمن والسلام والتنمية يمثلان الأرضية التي يمكن أن تُبنى عليها بقية مجالات التعاون، فالاستثمار يحتاج إلى أمن، والتجارة تحتاج إلى استقرار، والسياحة تحتاج إلى بيئة آمنة، والمشروعات التنموية تحتاج إلى إقليم مستقر، وحتى العلاقات الإنسانية بين الشعوب تزدهر عندما تتراجع لغة الصراع، إن قوة العلاقات السعودية - العُمانية يمكن أن تصبح، إذا ما استثمرت بصورة أكبر، رصيدًا إقليميًا للسلام، ليس لأن البلدين يمتلكان حلولًا سحرية لكل أزمات المنطقة، وإنما لأنهما يمتلكان عناصر مهمة تمكنهما من الإسهام في صناعة بيئة سياسية أكثر هدوءًا، وفي هذا السياق، تصبح الزيارات واللقاءات بين القيادتين أكثر من مجرد مناسبات سياسية، لأنها توفر فرصة لتبادل الرؤى، وتنسيق المواقف، وقراءة المخاطر، وبحث الفرص، والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية بعقل إستراتيجي يستبق الأزمات بدلًا من انتظار نتائجها، وأرى أن زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة في هذا التوقيت تحمل رسالة واضحة، أولها تأكيد العلاقات الراسخة بين البلدين والقيادتين، وأهمية التعاون وتطوير العلاقات الأخوية، ومن هنا فإنني أقرأ مقال الأستاذ خالد المالك بوصفه أكثر من إشادة بعلاقة تاريخية متميزة، بل بوصفه دعوة ضمنية إلى قراءة المستقبل من خلال هذه العلاقة، وإلى عدم الاكتفاء بما تحقق، وإنما التفكير فيما يمكن أن تحققه الرياض ومسقط في السنوات المقبلة، فالعلاقة السعودية - العُمانية أمام فرصة حقيقية للانتقال من قوة العلاقات إلى قوة الشراكة، ومن المصالح الثنائية إلى المصالح الإقليمية، ومن التعاون في الملفات التقليدية إلى التعاون في ملفات المستقبل، وفي مقدمتها الأمن والاستقرار والطاقة والتجارة والاستثمار والتقنية والسياحة والتنمية المستدامة، إن المملكة وسلطنة عُمان دولتان خليجيتان لا تحتاجان إلى البحث عن أسباب إضافية للتقارب، وإنما تحتاجان إلى مزيد من استثمر ما لديهما بالفعل من ثقة ومصالح مشتركة ورؤية سياسية متقاربة في عدد من الملفات، وتحويل ذلك إلى مشروعات ومبادرات ومواقف عملية تخدم الشعبين والمنطقة، وفي تقديري، فإن أعظم ما يمكن أن تنتجه العلاقة السعودية - العُمانية ليس اتفاقية جديدة أو مشروعًا اقتصاديًا فقط، وإنما أن تصبح هذه العلاقة نموذجًا يؤكد أن دول المنطقة قادرة على بناء أمنها من خلال التعاون، وأن السلام يمكن أن يكون خيارًا إستراتيجيًا لا مجرد رد فعل على الأزمات، وهذا هو المعنى الذي أراه في زيارة السلطان هيثم بن طارق للمملكة، وهذا أيضًا ما شدني في مقال أستاذنا القدير خالد المالك؛ أن خلف الكلمات المتعلقة بالعلاقات الأخوية قصة أكبر، عنوانها أن الأمن والسلام والتنمية ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات في منظومة واحدة، وأن مصير شعوب الخليج يرتبط بقدرتها على حماية الاستقرار، وتوسيع دوائر التعاون، وإعلاء صوت الحكمة والحوار، ولذلك فإن الترحيب بسلطان عُمان في المملكة لا يحمل فقط معنى الحفاوة بضيف عزيز، وإنما يعبر عن تقدير لعلاقة تتجاوز حدود السياسة اليومية، وعن إيمان بأن ما يجمع الرياض ومسقط يمكن أن يكون جسرًا أوسع نحو خليج أكثر أمنًا، ومنطقة أكثر استقرارًا، ومستقبل تتقدم فيه التنمية على الصراع، والسلام على الحرب، والمصلحة المشتركة على الحسابات الضيقة، وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الحقيقية للعلاقات السعودية - العُمانية، أن تكون قوة للسلام، وشراكة في التنمية، وسندًا للأمن، ومثالًا على أن المصير المشترك يمكن أن يتحول من حقيقة جغرافية وتاريخية إلى مشروع سياسي وتنموي يخدم الأجيال القادمة.
أخيرًا
السعودية وعمان وكافة دول الخليج هم أساس الاستقرار الإقليمي والعالمي، ينشرون السلام والأمن والازدهار.