سالم بن محمد العيدي
هناك رجالٌ يمرّون على المناصب، وهناك رجالٌ تمرّ المناصب بهم فتخرج أكثر قيمةً مما كانت عليه.
وهناك مسؤولون تعرفهم من صورهم وتصريحاتهم وحضورهم الإعلامي، ومسؤولون آخرون لا تحتاج إلى البحث عن صورهم؛ لأنك تجدهم في أثرٍ تركوه، ومؤسسةٍ أسهموا في بنائها، ومدينةٍ شاركوا في صياغة ملامحها، وفكرةٍ تحولت على أيديهم من ورق إلى واقع.
وفي تقديري، فإن صاحب السمو الأمير الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن عياف آل مقرن ينتمي إلى الفئة الثانية.
ولست هنا بصدد كتابة سيرة ذاتية تقليدية لرجل تقلّد مناصب عديدة؛ فالسيرة متاحة، والمناصب معروفة، والتاريخ محفوظ. ما يستحق الكتابة فعلًا هو السؤال الأكبر:
كيف استطاع هذا الرجل أن ينتقل بين الجامعة والمدينة والعمل الخيري ومؤسسات الدولة، محتفظًا في كل محطة بالصفة الأصعب: رجل المؤسسة؟
عبدالعزيز بن عياف لم يبدأ من بوابة المنصب، بل من بوابة العلم.
ابن جامعة الملك سعود، تخرّج في كلية العمارة والتخطيط، ثم ذهب إلى الولايات المتحدة ليعود محمّلًا بتخصص علمي عميق؛ ماجستير في العمارة، وماجستير في التخطيط العمراني، ثم دكتوراه في تخطيط المدن والأقاليم من جامعة بنسلفانيا.
وعاد إلى جامعته أستاذًا ورئيسًا لقسم التخطيط العمراني.
وهذه التفاصيل ليست حشوًا في سيرته، بل هي المفتاح لفهم شخصيته الإدارية لاحقًا.
فالمدينة بالنسبة إلى ابن عياف لم تكن شوارع وأرصفة وإنارة وتصاريح فقط، بل كانت علمًا وإنسانًا واقتصادًا وهويةً ومستقبلًا.
وحين انتقل من قاعات الجامعة إلى أمانة منطقة الرياض، لم يخلع عباءة الأكاديمي ليصبح بيروقراطيًا؛ بل أخذ المعرفة معه إلى الميدان.
وهنا تحديدًا بدأت واحدة من أهم مراحل سيرته.
خمسة عشر عامًا في ذاكرة الرياض
تولى الأمير عبدالعزيز بن عياف أمانة منطقة الرياض من عام 1997 حتى عام 2012.
خمسة عشر عامًا ليست مدة عابرة في عمر مدينة، فكيف إذا كانت المدينة هي الرياض؟
العاصمة التي كانت تكبر بسرعة، ويتسع عمرانها، وتتضاعف احتياجات سكانها، وتدخل مرحلة جديدة من التحول الحضري.
كان المطلوب أكثر من «أمين مدينة».
كان المطلوب عقلًا يفهم المدينة قبل أن يديرها.
وهنا ظهرت قيمة التخصص.
كان ابن عياف يتعامل مع الرياض بوصفها كائنًا حيًا، لا كتجمع من الخرسانة والإسفلت.
فالمدن العظيمة لا تُقاس بعدد الطرق التي تُشق فيها وحدها، وإنما بمقدار ما تمنحه للإنسان من جودة حياة.
ومن هنا برز مبكرًا مفهوم أنسنة المدن في تجربته وفكره.
اليوم أصبحت كلمة «الأنسنة» جزءًا مألوفًا من لغة التخطيط الحضري، لكن قيمة الرواد أنهم يتحدثون عن الأفكار قبل أن تصبح شائعة، ويعملون عليها قبل أن تتحول إلى عناوين متداولة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تحمل جامعة الملك سعود لاحقًا «جائزة الأمير عبدالعزيز بن عياف لأنسنة المدن».
فالرجل الذي درس تخطيط المدن أكاديميًا، مارس التخطيط ميدانيًا، ثم عاد ليخدم الفكرة معرفيًا.
وهذه دائرة لا تكتمل في سيرة الكثيرين: علمٌ، ثم تطبيق، ثم نقل للتجربة والمعرفة إلى الأجيال.
مدرسة سلمان الإدارية
ولا يمكن الحديث عن تجربة الأمير عبدالعزيز بن عياف في الرياض دون التوقف عند مرحلة تاريخية شديدة الأهمية.
لقد عمل في الرياض خلال حقبة كان فيها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- أميرًا لمنطقة الرياض لعقود طويلة.
ومن يعرف تاريخ الإدارة في العاصمة يدرك حجم المدرسة الإدارية التي نشأت هناك؛ مدرسة تقوم على المعرفة الدقيقة بالمدينة، والمتابعة، والانضباط، والاهتمام بالتفاصيل، ومعرفة الرجال، وعدم الفصل بين القرار ونتيجته على الأرض.
وفي مثل هذه المدارس لا تكفي الشهادة.
ولا تكفي البلاغة.
ولا تكفي العلاقات.
الذي يبقى هو الكفاءة.
وخمسة عشر عامًا على رأس أمانة عاصمة بحجم الرياض تقول الكثير دون حاجة إلى مبالغة في الوصف.
فالمناصب الكبرى قد يصل إليها كثيرون، لكن الاختبار الحقيقي ليس الوصول إليها؛ الاختبار هو ماذا فعلت فيها؟ وما الذي بقي منك بعد مغادرتها؟
عندما غادر المنصب.. لم يغادر المشهد
وهنا جانب أراه بالغ الأهمية في شخصية ابن عياف.
في عام 2012 انتهت مهمته أمينًا لمنطقة الرياض بناءً على طلبه.
وغادر الكرسي.
لكن هل غادر خدمة الدولة والمجتمع؟
لا.
وهذه في حد ذاتها قصة.
بعض الناس يمنحه المنصب قيمة، فإذا غادره غادر معه الضوء والحضور والتأثير.
أما صاحب المشروع الحقيقي، فالمنصب عنده وسيلة وليس هوية.
ظل الأمير عبدالعزيز حاضرًا في التعليم، والعمل الاجتماعي والخيري، ومجالس المؤسسات، والمشروعات الوطنية.
رئيسًا لمجلس أمناء جامعة الأمير سلطان، ورئيسًا لمجلس إدارة جمعية الملك سلمان للإسكان الخيري، ونائبًا لرئيس مجلس أمناء مؤسسة الرياض الخيرية للعلوم، ونائبًا لرئيس مجلس إدارة جمعية البر بالرياض ورئيسًا للجنتها التنفيذية، إلى جانب مسؤوليات ومشاركات وطنية أخرى.
وهنا تتضح شخصية الرجل أكثر.
فهو لم يحصر مفهوم الخدمة العامة في الوظيفة الحكومية.
الجامعة خدمة.
والإسكان الخيري خدمة.
والجمعيات الخيرية خدمة.
والتخطيط خدمة.
وبناء المؤسسات خدمة.
وخدمة الإنسان هي الغاية التي تلتقي عندها كل هذه الطرق.
ثم جاءت الثقة من جديد
في مايو 2024 صدر الأمر الملكي بتعيين الأمير الدكتور عبدالعزيز بن عياف مستشارًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين بمرتبة وزير، وتكليفه بالقيام بعمل نائب وزير الحرس الوطني.
ثم جاءت محطة أخرى بالغة الدلالة حين كُلّف في مايو 2025 بالقيام بعمل نائب وزير الداخلية.
وهنا ينبغي أن نتوقف.
ليس لأن التكليف يحتاج إلى مديح؛ فالثقة الملكية أعلى من كل مديح.
ولكن لأن قراءة المسار تكشف شيئًا مهمًا:
الدولة لا تنسى رجالها.
قد تتغير المواقع، وقد تمر السنوات، وقد ينتقل المسؤول من موقع إلى آخر، لكن الكفاءة المتراكمة والخبرة والاتزان والقدرة على العمل المؤسسي تبقى رصيدًا محفوظًا للوطن.
أن تبدأ مهندسًا وأكاديميًا ومخططًا للمدن، ثم تقود أمانة العاصمة خمسة عشر عامًا، وتشارك في مؤسسات علمية واجتماعية وتنموية كبرى، ثم تعود إلى قلب الجهاز التنفيذي للدولة مستشارًا خاصًا لخادم الحرمين الشريفين بمرتبة وزير، وتُكلّف بمسؤوليات على مستوى الحرس الوطني ثم وزارة الداخلية؛ فهذه ليست تنقلات وظيفية عادية.
هذه سيرة ثقة.
والثقة في الدولة لا تُمنح بالشعارات.
إنها حصيلة أعوام طويلة من التجربة والانضباط والإنجاز والقدرة على حمل المسؤولية.
الرجل الذي لا يطارد الضوء
أكثر ما يلفتني في الأمير عبدالعزيز بن عياف أن حجم حضوره الإعلامي أقل كثيرًا من حجم سيرته.
وفي زمن أصبح فيه البعض يصنع من الإنجاز الصغير مهرجانًا إعلاميًا كبيرًا، تبدو هذه السمة مختلفة.
هناك رجال يعملون كي يقال إنهم يعملون.
وهناك رجال يعملون لأن العمل عندهم واجب.
والفرق بين الاثنين يظهر بعد سنوات.
فالضجيج عمره قصير، أما الأثر فعمره طويل.
قد يملأ مسؤول الشاشات سنوات ثم يغادر فلا تجد له أثرًا.
وقد يعمل آخر بصمت، ثم تكتشف بعد عقود أن بصماته موزعة بين مدينة وجامعة ومؤسسة وجمعية ومشروع وطني.
وهذا، في رأيي، هو المعيار الحقيقي للنجاح في العمل العام.
ليس السؤال: كم مرة ظهرت؟ بل:ماذا بقي بعدك؟
ابن الجامعة يعود إليها من الباب الكبير
ومن أجمل محطات هذه السيرة ارتباط الأمير عبدالعزيز بن عياف بجامعة الملك سعود.
فهي الجامعة التي درس فيها، ثم أصبح عضوًا في هيئتها الأكاديمية ورئيسًا لقسم التخطيط العمراني، ومنها انطلق في جزء مهم من مسيرته العلمية والمهنية.
إن العلاقة هنا ليست علاقة منصب بمؤسسة.
إنها علاقة ابن ببيته العلمي الأول.
وحين يعود الإنسان إلى المؤسسة التي صنعت بداياته وقد حمل معه خبرة عقود من الإدارة والعمل الوطني، فإن الجامعة لا تستعيد أحد أبنائها فحسب، بل تستعيد خبرة وطنية كاملة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية.
الجامعات العظيمة لا يكفيها أن تنتج الشهادات.
يجب أن تصنع الرجال والنساء الذين يذهبون إلى المجتمع والدولة والاقتصاد، ثم يعودون إليها بخبراتهم لتستمر الدورة.
جامعة تصنع مسؤولًا.
والمسؤول يخدم وطنه.
ثم تعود خبرته إلى الجامعة.
هذه هي دورة المعرفة التي تبني الدول.
ابن عياف وأنسنة المدن
وقد يكون مفهوم «أنسنة المدن» أحد المفاتيح الأوضح لفهم فلسفته.
فالمدينة ليست مباني شاهقة فقط.
وليست طرقًا واسعة فقط.
وليست جسورًا وأنفاقًا فقط.
كل هذه وسائل.
أما الغاية فهي الإنسان.
كيف يمشي؟ كيف يعيش؟ كيف يصل؟ كيف يستمتع بمدينته؟ كيف يشعر بالانتماء إلى المكان؟ كيف يصبح الشارع جزءًا من الحياة وليس مجرد ممر للمركبات؟
هذه الأسئلة التي تبدو اليوم طبيعية في نقاشات جودة الحياة كانت تحتاج قبل عقود إلى من يدفع بها إلى مقدمة التفكير البلدي.
والأجمل أن الرياض اليوم تعيش تحولًا حضريًا تاريخيًا ضمن رؤية المملكة 2030، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، حيث أصبحت جودة الحياة والفضاء الحضري والحدائق والنقل والوجهات الكبرى جزءًا من مشروع مدينة تريد أن تكون في مصاف أهم مدن العالم.
والمدن العظيمة لا تبدأ من الصفر في كل مرحلة.
كل جيل يبني على ما سبقه، ثم يأتي جيل جديد بسقف طموح أعلى.
وهكذا تُبنى العواصم.
بين ابن عياف الأمس ورياض اليوم
ومن الإنصاف القول إن الرياض التي نراها اليوم ليست نتاج مسؤول واحد أو مرحلة واحدة.
إنها مشروع دولة ممتد.
تعاقبت عليها قيادات ورجال ومؤسسات، وكل مرحلة أضافت لبنة.
واليوم تعيش العاصمة قفزة تاريخية غير مسبوقة تحت قيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ قفزة أعادت تعريف حجم المدينة وطموحها وموقعها العالمي.
لكن الأمم الواثقة تحفظ تاريخ مؤسساتها ورجالها.
لا تلغي الأمس كي تمدح اليوم.
بل تقول:هذا ما زرعه السابقون، وهذا ما يبنيه الحاضر، وهذا ما سيكمله القادمون.
ومن هنا تأتي أهمية إنصاف تجربة عبدالعزيز بن عياف.
ليس باعتبارها صفحة من الماضي، وإنما باعتبارها جزءًا من التراكم الإداري والعمراني للعاصمة.
ليست القضية في عدد المناصب
لو أردنا اختصار سيرة الأمير عبدالعزيز بن عياف في قائمة مناصب لأمكن كتابة عشرات الأسطر.
لكنني أعتقد أن ذلك يظلم الرجل.
فالقيمة ليست في عدد الكراسي التي جلس عليها.
القيمة في تنوع البيئات التي استطاع أن يعمل داخلها.
الأكاديمية تحتاج عقل الباحث.
البلدية تحتاج عقل التنفيذي.
الجمعيات تحتاج الحس الاجتماعي.
مجالس الإدارة تحتاج الحوكمة
والعمل في مؤسسات سيادية كالحرس الوطني ووزارة الداخلية يحتاج مستوى مختلفًا من المسؤولية والانضباط والثقة.
وحين تجتمع هذه التجارب في شخص واحد فنحن لا نتحدث عن «مسؤول سابق»، وإنما عن خبرة دولة متراكمة.
وهذه الخبرات لا تُقاس بالعمر الوظيفي، بل بقدرتها على قراءة الملفات من أكثر من زاوية.
وطن يعرف رجاله
في المملكة مدرسة راسخة في الحكم والإدارة: الرجال يُختبرون بالميدان.
والدولة السعودية منذ تأسيسها قامت بعد توفيق الله على رجال حملوا المسؤولية باعتبارها أمانة لا وجاهة.
ولهذا فإن الثقة حين تتجدد في مسؤول بعد عقود من بداية مسيرته تحمل رسالة مهمة للأجيال الجديدة:
اعمل جيدًا؛ فالوطن لا ينسى العمل الجيد.
لا تجعل هدفك المنصب.
اجعل هدفك أن تكون أهلًا له متى جاء.
ولا تجعل صورتك أهم من عملك.
فالصورة تنتهي بانتهاء الخبر، أما العمل الجيد فقد يبقى عشرات السنين.
شهادة للتاريخ
أكتب عن الأمير عبدالعزيز بن عياف لا باعتباره شخصًا يحتاج إلى مقال ثناء؛ فسيرته أكبر من أن يضيف إليها مقال أو ينقص منها آخر.
ولكن من واجب الإعلام، كما ينتقد التقصير، أن يوثّق النماذج التي تستحق أن تُقرأ.
نحتاج أن نقول للأجيال الجديدة إن الإدارة ليست «ترندًا».
وإن المسؤولية ليست كاميرا.
وإن رجل الدولة لا يُصنع في يوم.
إنه نتاج علم وتجربة وصبر واحتكاك بالناس وقرارات صعبة وسنوات طويلة من العمل.
وعندما تجتمع المعرفة مع الخبرة، ويلتقي الأكاديمي بالتنفيذي، ويظل الإنسان قادرًا على الانتقال من موقع إلى آخر دون أن يفقد هدوءه أو منهجه المؤسسي، فإننا أمام نموذج يستحق الدراسة لا مجرد الثناء.
عبدالعزيز بن عياف لم يكن أمينًا مرّ على الرياض؛ بل كانت الرياض فصلًا كبيرًا في سيرته، وكان هو فصلًا مهمًا في ذاكرتها الإدارية والعمرانية.
ولم يكن أستاذًا جامعيًا غادر الجامعة إلى المنصب؛ فقد بقي العلم حاضرًا في طريقته وفكره.
ولم يكن العمل الخيري محطة جانبية في حياته العامة؛ بل كان امتدادًا طبيعيًا لفكرة أن الإنسان هو محور التنمية.
ثم عادت الدولة فوضعت خبرته في مواقع جديدة من المسؤولية.
وهذه وحدها شهادة.